ملفات بوليسية: كتبت بماء البصل – الجزء الأول

ملفات بوليسية: كتبت بماء البصل – الجزء الأول



في العام 2005 استفاد المهندس أحمد الدقيقي، الذي كان يعمل رئيسًا لقسم دراسات المنشآت الهامة في وزارة التجهيز، من المغادرة الطوعية. كان قد قضى زهاء ربع قرن على رأس ذلك القسم، حيث كان يتولى، مع عدد من مساعديه، إعداد الملفات الخاصة بصفقات إنجاز الأشغال، كما كان يتولى تقدير تكلفتها. كان بالنسبة للمقاولين رجل الصفقات، وكان العديد من المسؤولين يشهدون له بالكفاءة. ولم يكن يفوت فرصة واحدة للحصول على الترقيات وما يصاحبها من تعويضات مالية.

عمل إلى جانب المهندس الدقيقي مساعدًا له المهندس رضوان المعمري على مدى نحو 20 عامًا، وكان رجلًا جادًا محبًا لعمله. وقد نشأت بينهما صداقة رغم التباين الواضح في طباعهما. بل إن تلك العلاقة تطورت إلى تعارف بين أسرتي الرجلين.

يذكر العارفون بكواليس قسم دراسات المنشآت الهامة في وزارة التجهيز أن المهندس أحمد الدقيقي تكتم على أمر استفادته من المغادرة الطوعية حتى اللحظات الأخيرة. بل إن عيونًا رصدت أن نشاط الرجل زاد في الشهور القليلة التي سبقت الإعلان عن مغادرته الطوعية. وقد استوقف بعضهم أن الرجل، وهو رئيس قسم الدراسات، تولى شخصيًا إعداد ملف كان يتعلق بإحدى المنشآت المائية التي كانت الحكومة تريد إنجازها في أقرب الأجل. ولما أتم الدراسة وصار الملف جاهزًا، أعلن أنه سيغادر منصبه مستفيدًا من المغادرة الطوعية. وقد أوصى المهندس الدقيقي بأن يتم تعويضه في ذلك المنصب الهام بمساعدة المهندس رضوان المعمري. لم يكن في الأمر ما يدعو إلى استغراب، فإن يخلف رئيس القسم مساعده منذ نحو 20 عامًا أمر طبيعي جدًا.

لاحقًا، سيعلم الجميع أن المهندس أحمد الدقيقي، وقبل أن يستفيد من المغادرة الطوعية، أحدث شركة في البناء والأشغال الكبرى، وجعل على رأسها أحد أصهاره. وما إن تحرر من التزامات الوظيفة وجهز الشركة بكل ما تحتاج إليه من معدات، حيث صرف كل الأموال التي حصل عليها كتعويض، صار يباشر تسيير الشركة شخصيًا. ولم يكن في ذلك أيضًا ما يثير الاستغراب، فالرجل لم يحد عن مجاله كمهندس.

استلم المهندس رضوان المعمري مهامه الجديدة وصار "رجل الصفقات" في وزارة التجهيز. ولكن المقاولين الذين كانوا قد تعودوا على الدقيق وطريقته في تصريف الأمور، والتي لم تكن تخلو من تفاهمات وأخذ وعطاء، وجدوا أنفسهم في مواجهة رجل مستقيم، وكان استقامته كثيرًا ما تعارضت مع مصالحهم.

لم يختفِ المهندس أحمد الدقيقي من المشهد تمامًا، فقد كانت زياراته متقاربة إلى مقر وزارة التجهيز، وعلى وجه التحديد إلى القسم الذي كان على رأسه قبل بضع أشهر. كان يبرر تلك الزيارات بشوقه إلى الأحبة رفاق العمل على مدى سنوات طوال، ولكن زياراته الشكلية تلك كانت الذريعة وغطاء لسعيه الحثيث إلى معرفة خبايا صفقة توشك الوزارة على نشر طلب مناقصة بشأنها. لم تكن تلك الصفقة سوى صفقة ملفه الذي اجتهد في إعداده قبل المغادرة الطوعية، وكان يتعلق ببناء أحد السدود الصغيرة. كان مطمئنًا إلى حد كبير أن الصفقة ستؤول إليه، أليس صاحبه من يترأس قسم الدراسات والمسؤول عن فتح أظرف العروض ومالك زمام القرار في تلك الأمور؟ ثم أليس هو من أوصى بأن يخلفه في هذا المنصب الهام المهندس المعمري؟ نعم، لا أحد يجادل في ذلك، ولا المهندس رضوان المعمري.

ولكن الذي فاجأ الدقيقي أن طلب العروض الذي تم تعميمه بشأن تلك الصفقة التي كان ينتظر أن تؤول إلى مقاولته، نص على أن يتوفر في كل مقاولة تشارك في المناقصة شرط الحصول على شهادة الكفاءة المهنية من الدرجة الثانية. كان ذلك عائقًا كبيرًا في طريق استفادة شركة الدقيقي وفوزها بالصفقة، لأنها لم تكن تتوفر سوى على شهادة الكفاءة المهنية من الدرجة الثالثة.

بالنسبة لأحمد الدقيقي، فقد آن الأوان ليطرق باب صديقه الذي خلفه في المنصب ليمنحه الصفقة. لم يكن المهندس أحمد الدقيقي يخشى من أن ينافسه طرف آخر في السعر الذي يعرضه، هو يعرف الملف جيدًا لأنه من قام بإعداده. الذي كان يزعجه هو ذلك الشرط الذي ورد في نص الإعلان عن طلب العروض. سعى الدقيقي إلى إقناع المهندس رضوان المعمري بسحب ذلك الشرط الذي يلزم مقاولته بالحصول على شهادة الكفاءة المهنية من الدرجة الثانية. هو يعلم أن ذلك مستحيل، لأن مقاولته حديثة الإنشاء، ولأن تلك الشهادة لا تسلمها وزارة التجهيز سوى بناء على معطيات حقيقية وشواهد رسمية لا تملكها مقاولته.

لاحظ المهندس الدقيقي، وهو الخبير بعالم الصفقات، أن خلفه ارتكب خطأ إداريًا، إذ أن الإعلان عن طلب العروض لم يحترم المدة القانونية التي يجب أن يستغرقها الإشهار. طرق بابه بجلباب ناصح الأمين، طالبًا منه أن يتدارك الأمر بإرجاء موعد فتح الأظرف بما يسمح له بالابقاء على غموض حول شرط شهادة الكفاءة المهنية. قال له إنه يطلب منه ذلك حتى يتسنى له أن يجرب مدى قدرته على خوض غمار المقاولة والصفقات العمومية.

خابت مساعي الدقيقي في ذلك، فقرر أن يحاول التأثير عليه بواسطة زوجته. جاءتها امرأة الدقيقي زائرة، ولم يكن في ذلك ما يثير الاستغراب، فقد تعودت تبادل الزيارات. ولكن المرأة ما لبثت أن دفعت بمجرى الحديث إلى المقاولة التي أنشأها زوجها وضرورة حصولها على صفقة أولى هامة حتى تضمن لها الاستمرار. قالت لها إن الحصول على تلك الصفقة بيد المهندس المعمري زوجها، وطلبت منها أن تساعدها بالضغط عليه ومحاولة إقناعه.

وعادت زوجة الدقيقي إلى الحديث مع زوجها وأفضت إليه بأن اجتهدت في ذلك، ولو كلف الأمر هدية ثمينة تقدم لزوجة المهندس رضوان المعمري. قال لها إنه إذا ما حصل على تلك الصفقة، فستكون انطلاقة ناجحة لمقاولته، لأنه حينما كان يعد الملف الخاص بذلك السد الصغير، حرص على تضمين دفتر التحملات بثغرات كثيرة تتيح له التلاعب في المواد التي سيتم استخدامها في بناء تلك المنشأة.

يئس أحمد الدقيقي من التأثير على المهندس رضوان ليغير موقفه، وصار يفكر في وسيلة ضغط أشد تأثيرًا. كان ما أنفقه في بناء تلك المقاولة هو كل ما استطاع أن يدخره من مال، فضلاً عن التعويضات التي حصل عليها بعد أن استفاد من المغادرة الطوعية.

علمت زوجة الدقيقي في المرة الأخيرة التي زارت فيها منزل المهندس رضوان أن ابنته سناء، التي تتابع دراستها في فرنسا، سوف تعود مطلع الأسبوع المقبل، تحديدًا يوم الاثنين الذي يصادف الحادي عشر من العام 2005. وقد أفاضت بذلك إلى زوجها في سياق حديثها عما دار خلال تلك الزيارة.

التقط الدقيقي تلك المعلومة وفكر في استعمالها للضغط على رضوان. وقد علم من مصادر له في قسم الدراسات بوزارة التجهيز أن رضوان سيكون يوم عودة ابنته من فرنسا منشغلًا في اجتماعات بالوزارة، ولذلك فإنه لن يمضي لاستقبال ابنته في المطار. في يوم عودتها، كلف الدقيقي أحد رجاله بالذهاب إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء وانتظار سناء. كانت في يده لوحة كتب عليها "سناء الدقيقي". كانت الشابة في جملة المسافرين، وما إن لمحت اسمها على اللوحة التي يحملها الرجل حتى تقدمت منه. قالت له: "أنا سناء". حيّاها باحترام وقال لها إنه سائق من وزارة التجهيز كلفه والدها المهندس رضوان بقيادتها إلى منزل العائلة في الرباط. لم تطرح الشابة أي سؤال، ومضت معه إلى موقف السيارات.

وضعت أشيائها في صندوق الأمتعة وجلست في المقاعد الخلفية للسيارة دونما انتظار، فانطلق السائق. كانت سناء قد اتصلت بالبيت لما حطت الطائرة، وأخبرت والدتها بأنها وصلت بسلام. لما وصلت السيارة إلى ملتقى طريق الرباط وبن سليمان، ادعى السائق أن عطبا لحقها، وأن عليه أن يتوقف قليلاً لإصلاحه. لم تنزعج الشابة لذلك كثيرًا. وما أن توقفت السيارة ونزل السائق حتى فاجأها رجل اقتحم المقاعد الخلفية، رش وجهها بمادة جعلتها تفقد الوعي سريعًا.

لما أفاقت، ولم تكن تدري كم مر من الوقت، وجدت نفسها في غرفة محكمة الإغلاق. صرخت وهي تطلب النجدة، ولما أعياها الصراخ استلقت على فراش كان يملا أحد أركان الغرفة.

تأخر وصول سناء إلى بيت أسرتها. كانت أمها تظن أنها ربما كانت برفقة صديق أو صديقة، ولذلك فضلت ألا تتسرع في إبلاغ والدها بذلك. وفي المساء، لما عاد المهندس رضوان المعمري إلى البيت فوجئ بأن ابنته لم تصل بعد. اتصل بها على هاتفها، كان مغلقًا. اتصل بالمطار، فعلم أنها كانت في جملة المسافرين الذين وصلوا من باريس في حدود الحادي عشر من تلك الليلة. لم يغمض جفن للمهندس رضوان ولا لزوجته. ظل يفكران فيما قد يكون ألم بسناء. وفي الصباح، لما دخل مكتبه، تلقى اتصالًا هاتفيًا من مجهول قال له إن سناء ابنته ستقتل إن لم يدفع فدية مالية قيمتها 30 مليون سنتيم. حذره المجهول قائلاً: "إذا اتصلت بالشرطة، فسيعجل بإعدام ابنتك."...

...يتبع


Comments

Popular posts from this blog

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية – نهاية مأساوية

ملفات بوليسية: الغرام الأخير - الجزء الثاني والأخير