ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير
- Get link
- X
- Other Apps
ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير
... لما عادت حليمة إلى بيت زوجها كانت تحرص على أن تبدو حياتهما طبيعية. كان بوسلهام يشعر بغصة في حلقه كلما ودعته إلى المطار. لم يكن يتقبل أن تفارقه، ولم يكن يفارق ذهنه أن أحدهم سوف يلاحقها ويتحرش بها كما فعله من قبل. صارت علاقتهما كزوجين موسومة طوال الوقت بتوتر خفي. كان يشك في إخلاصها، وكانت هي أكثر شكًا في صفاء سريرته. وكلما حلقت بعيدًا في رحلات العمل، كان خياله يمضي أبعد. صار يشك في أنها مرتبطة بشخص آخر، وذات مرة كرر مطالبتها بالتخلي عن وظيفتها. كانت قطرة أفاضت الكأس. لم تتردد وطالبته بتطليقها. لم يكن قد مر عام على زواجهما، وكان مطلبها ناقوس إنذار بالنسبة لبوسلهام الذي تعلق بها. تريد مفارقته، وإذا ما تحقق لها ذلك، فإنها ستذهب بكل ما وهب لها، وخاصة تلك العمارة.
سارع بوسلهام إلى صديقه العدل الذي كان قد أوحى إليه بأنه يستطيع استرداد هيبته لحليمة ما لم يمر عام عليها، وعلى شرط ألا تكون قد قامت بإجراءات الحيازة. تراجع عن الهبة. لم تكن حليمة قد توقعت ذلك، ولكنها وقد صارت تتجسس عليه، لاحظت أنه أكثر في الآونة الأخيرة من اتصالاته بصديقه العدل. انتابتها شكوك، فمضت تستشير من له علم بالمسألة. فأكدوا لها أن له الحق في التراجع عن الهبة قبل انقضاء العام على تاريخها.
كانت حليمة تتحاشى اللقاء بعشيقها عصام الزهري في الدار البيضاء، وكانت تلتقيه في مدن أخرى أو خارج المغرب. كذلك صارت تطلعه على تفاصيل حياتها مع بوسلهام العرباوي، صار يعلم كل شيء وكأنه يعيش معهما تحت سقف واحد. ولما أيقنت حليمة أن بوسلهام تراجع عن هباته المتعلقة بالعمارة، صارت تفكر في طريقة للتخلص منه، وفي نفس الوقت للحصول على حظ مما كنزه من مال وما لديه من ممتلكات. كان ذلك يقتضي أن تتنازل عن كثير من كبريائها وأن تبدي كثيرًا من اللين في تعاملها معه. مهدت لأجواء مصالحه جديدة، وتسنى لها أن تجعله يأتي إليها وديعًا كالحمل. بدت وقد أقنعته بأن علاقتهما قد دخلت مرحلة جديدة. كانت تنافقه حين تزعم له أنها تحبه، وكان هو يتظاهر بالسعادة إلى جانبها.
كان قد سلط عليها أحدهم يتبع خطاها في المغرب، ولكنه لم يأتِ بعد بما يثبت خيانتها. في أحد لقاأتها بعشيقها عصام في إسبانيا، اتفقوا على خطة للتخلص من بوسلهام. قررت أن تتخلص منه إلى الأبد واتفقوا على أن يتولى عصام تخريب مكابح سيارته بما يجعله يقضي في حادث سير يتخذ شكل قضاء وقدر.
افترقوا، وقد وعدته بأنها سوف تتصل به فور التمهيد لتطبيق الخطة. كانت أجواء المصالحة تعم البيت، وقد اغتنمت حليمة فرصة عطلتها التي ستمتد أسبوعًا كاملاً لتطلب منه أن يمضي بضعة أيام في ورزازات. لم يتردد، وافق. كان الجو ربيعيًا، زار عدة مواقع طبيعية خلابة، واستقر في فندق بورزازات. كانت خطتها تقضي بأن تجعله يعود منفردًا على متن السيارة. تظاهرت بالمرض، وكانت تعلم أنه على موعد هام في الدار البيضاء في مستهل الأسبوع. قرر أن يغادر ورزازات على أن تلحق به في اليوم التالي حينما تتوفر رحلة جوية من ورزازات إلى الدار البيضاء.
اتصلت حليمة بعشيقها الذي كان يقيم في فندق آخر، وأبلغته بأن بوسلهام سيسافر فجرًا. كان يرى أن ما سيقوم به عمل بسيط، كان عليه أن يتسلل إلى موقف السيارات، وأن يقطع أنابيب زيت الفرامل ثم يعود إلى فندقه. غاب عن حليمة أمر هام، فقد كان بوسلهام بعد أن اقترحت عليه قضاء بضعة أيام في ورزازات قد أبلغ صديقه الذي كان قاضيًا في محكمة الاستئناف بأنه يحس بأن زوجته حليمة تدبر شيئًا ما ضده.
تسلل عصام إلى موقف السيارات في الفندق الذي كانت تقيم فيه حليمة وزوجها بوسلهام. كان يعرف سيارته رباعية الدفع الجديدة، كانت سيارة فاخرة. تمدد تحتها وامتدت يده إلى أنبوب زيت الفرامل. ضغط على الكماشة فقطع الأنبوب. في نفس الوقت أصابه جرح بسيط في أحد أصابعه. لف الأنبوب بقطعة شريط لاصق حتى لا يسيل الزيت على الأرض فيثير الانتباه. لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاث دقائق.
تسلل عصام عائدًا إلى الفندق الذي يقيم فيه. فجر الاثنين الخامس من مارس من العام 1990، ودع بوسلهام زوجته على أن يلتقي في الغد في الدار البيضاء. ركب سيارته وغادر. أخذ وجهه نحو مراكش. كان الجو معتدلًا وكانت أشعة الشمس الأولى تتراى خيوطًا من ذهب. كان كل شيء يبدو طبيعيًا على متن السيارة. ولما بلغ المنعرجات، ضغط على دواسة الفرامل، لم تستجب، وواصلت السيارة مسرعة. حاول السيطرة عليها، ولكنها جمحت به إلى منحدر سحيق.
شهد مسافرون السيارة وهي تتدحرج. لما استقرت أسفل الوادي، كان بوسلهام العرباوي قد فارق الحياة. حضر رجال الدرك وفرق الإسعاف. تم نقل الجثة إلى مستودع الأموات بورزازات وتم إخبار السلطات القضائية بالحادثة وبمقتل سائق السيارة.
لم تعلم حليمة بالذي حدث. وفي صباح الثلاثاء، ركبت الطائرة إلى الدار البيضاء. هناك علمت بما حل بزوجها. كان عليها أن تمضي في اللعبة إلى نهايتها. تظاهرت بالحزن، واتشحت ببياض الأرامل. كانت تحسب أن كل شيء تم كما دبرت له بتواطؤ مع عشيقها عصام، ولكن الأمور ستأخذ منحى آخر.
فقد شك القاضي في محكمة الاستئناف صديق بوسلهام. شك في الأمر، إذ استحضر التخوف الذي عبر عنه صديقه قبل السفر إلى ورزازات. اتصل بالوكيل العام للملك وأخبره بأنه يشك في أن الحادثة التي راح ضحيتها بوسلهام العرباوي كانت حادثة سير عادية، وأنه يتعين إفاد فريق من الباحثين المتخصصين لفحص حطام السيارة واستجواب الزوجة والبحث عن كل ما يمكن من كشف الحقيقة.
أسندت المهمة إلى رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية. كانت المهمة تقتضي إحظار الجثة إلى الدار البيضاء ونقل سيارة الهالك إلى أحد الورش الخاصة للبحث في سبب سقوطها في الوادي. تولى ذلك العميد محمد الصبار الذي عرف بكفاءته. قام مع مساعديه بتفكيك كل أجهزة السلامة بالسيارة، وكذلك اكتشف التخريب الذي تعرض له أنبوب زيت الفرامل. لاحظ أيضًا أن بطرف الأنبوب أثر بقعة حمراء كالدم. وقد حرص على الحفاظ على كل تلك الآثار. حين فكك الأنبوب، وبعث به إلى المختبر، بينت النتيجة أن ما لحق بأنبوب زيت الفرامل كان فعلاً مدبرًا ومقصودًا، وأن أثر الدم الموجود عليه هو دم إنسان غير بوسلهام. صار يتعين الآن الوصول إلى صاحب الدم الذي علق بأنبوب الفرامل.
التحريات التي أُجريت حول حليمة أظهرت أنها، وقتًا قصيرًا قبل زواجها من بوسلهام، كانت على علاقة مع شاب يدعى عصام الزهري. تم استدعاؤها إلى المفوضية. قالت المحققين إنها كانت سعيدة بزواجها من بوسلهام. كانت عيناها تدمعان حين قالت إنهما كانا ينويان قضاء عدة أيام في ورزازات، وأن موعدًا اضطر بوسلهام إلى السفر. قالت إنه وعدها بالعودة بعد يومين، ولما اتصلت به في هاتف البيت لتطمئن على وصوله سالمًا، لم يكن يجيب، ولذلك قررت العودة إلى الدار البيضاء في الغد. وعندما وصلت، أُبلغت بالكارثة.
سئلت حليمة عن علاقتها بعصام، فأجابت بأنه مدرب في النادي الرياضي الذي تنتمي إليه، وأنها تلتقيه هناك، ونفت أن تكون بينهما علاقة غرامية. تم استدعاء عصام، ولما مثل أمام المحققين، أنكر معرفته ببوسلهام، بل إنه قال إنه لا يعرف أي شخص يحمل هذا الاسم. كان العميد الصبار ينوي وضعه رهن الحراسة النظرية، غير أنه لما استشار الوكيل العام للملك، طلب منه أن يقوم أولًا بأخذ عينات من ريقه ومن ريق حليمة، وأن يبعث بها إلى المختبر.
بعد 24 ساعة، توصل العميد بالنتيجة، وكانت تؤكد أن أثر الدم الذي اكتشف على أنبوب زيت الفرامل لسيارة بوسلهام هو دم عصام الزهري. القي القبض على الشاب. كانت التحريات التي أُجريت حوله قد أكدت أنه كان في ورزازات في الوقت الذي كان فيه بوسلهام مع زوجته حليمة. كانت الدلائل واضحة. اعترف بأنه تعرف على مضيفة الطيران حليمة في النادي الرياضي، ونشأت بينهما علاقة حميمة كادت تتوج بالزواج لولا دخول بوسلهام على الخط. قال إن علاقتهما انقطعت بعد أن تزوجت من بوسلهام، ثم بعد شهور عادت إليه تشكو تصرفات زوجها. ثم طرحت خطة للتخلص منه مع الاستفادة من ماله على سبيل الميراث. ثم إنها طلبت منه أن يساعدها في تنفيذ خطتها ليخلوا لهم الجو ويتزوجا.
أنكرت حليمة كل ما قاله عصام، وأصرت على أنه من دبر قتل زوجها لأنه صار يحقد عليها بعدما تركته وتزوجت بوسلهام. ثم إنه اعترف بأنه من قطع أنبوب زيت الفرامل الذي أدى إلى الكارثة. وليس هناك أكثر من الاعتراف. فوجئ عصام بأنكار حليمة وسعيها إلى تحميله وزر الجريمة، وقرر أن يلقي بأوراقه الأخيرة. قال للمحققين إنه، على سبيل الاحتياط، عمد إلى تسجيل كل ما دار بينه وحليمة. سلم الباحثين الشريط واله التسجيلات الصغيرة التي كان يحتفظ بها.
تمت مواجهة حليمة بالتسجيلات الصوتية، ولم تجد مفرا من الاعتراف. اعترفت وخسرت كل شيء... كل شيء.
- Get link
- X
- Other Apps

Comments
Post a Comment