ملفات بوليسية – نهاية مأساوية
ملفات بوليسية – نهاية مأساوية
في إقليم بني ملال، منذ أربعينيات القرن الماضي، عُرفت عائلة المرتضى بأنها من بين العائلات الأكثر غنى في المنطقة. كانت تملك عدة ضيعات، أجودها تلك التي توجد قرب عين أسردون. في تلك الأسرة وُلد توفيق المرتضى.
كان المغرب وقتها تحت الحماية الفرنسية، وقد حرص الفلاح الثري على أن يهب ولده توفيق تربية غربية. كان يحرص على أن يتعلم ويمضي في التحصيل إلى أبعد مدى ممكن. ما إن بلغ الثامنة عشرة حتى كان من الحاصلين على البكالوريا، وبتفوق، وكان طبيعيًا أن ينتقل إلى فرنسا لمتابعة الدراسة الجامعية. وبما أنه ابن بيئته، فقد تخصص في الزراعة، وحصل على دبلوم مهندس فلاحي.
كان المغرب قد حصل على استقلاله قبل نحو سنة، وكانت البلاد بحاجة إلى كل السواعد والكفاءات. في فرنسا، كان توفيق قد اعتاد على نمط الحياة الغربي، وكان كل أصدقائه وصديقاته من الفرنسيين. كان مثل كثير من أصدقائه شابًا كثير المغامرات العاطفية، بل إنه كان مثل شبان فرنسيين كثيرين لا يتردد في الانخراط في عمليات تبادل العشيقات، بل وكان يعتبر ذلك السلوك سلوكًا عاديًا.
كذلك كان توفيق المرتضى. لما عاد إلى المغرب في العام 1957، تم توظيفه مهندسًا في مديرية استصلاح الأراضي بوزارة الفلاحة. وقد أتاح له موقعه فرصة الاطلاع على ملفات كثيرة تهم القطاع الفلاحي. وكان من بين الملفات التي أولى لها اهتمامًا كبيرًا ملف الضيعات الفلاحية التي وُضعت على قائمة الأراضي المسترجعة من المعمرين.
كان توفيق المرتضى يعلم أن أجود تلك الضيعات توجد في إقليم بني ملال، وكان يعلم أن مرسومًا وزاريًا سيصدر قريبًا، وأنه يستثني من الأراضي المسترجعة تلك التي تم اقتناؤها قبل صدور المرسوم. بادر والد توفيق إلى اقتناء تلك الضيعة، وبعد ذلك لم يعد توفيق يفكر سوى في التخلص من وظيفته للتفرغ لضيعته الجديدة. قدم استقالته ومضى إلى تحقيق الحلم الذي راوده منذ سنين. عاد إلى الأرض وهو يعلم أن الضيعة التي ظفر بها سوف تجعله من بين أكبر فلاحي المغرب.
طوال تلك المرحلة، لم يكن توفيق قد بدل الكثير في سلوكه، ظل كثير الخليلات، وظل كما جاء من فرنسا رجلًا لا يغار على من تكون في حضنه. هو الآن على مشارف الأربعين، وقد بدأ العمر يتقدم بوالده نحو أرذل العمر، وصار يحلم بأن يرى ولده متزوجًا وله أبناء.
كان الشيخ يريد أن يطمئن قبل أن يخلد إلى رقدته الأخيرة. فاتح توفيق في الموضوع، لكنه وجده غير مبالٍ بأمر الزواج. ولما ألح عليه والده، وافق، وأوكل إليه أن يختار له الزوجة التي يراها مناسبة. كان أبو توفيق فلاحًا معروفًا، وقد اختار لولده واحدة من أجمل بنات عائلة البياض بالدار البيضاء وأعلاها تكوينًا. كانت وداد حاصلة على شهادة رفيعة في الاقتصاد.
وافقت الشابة، ولكنها اشترطت على توفيق أن تسكن في الدار البيضاء، فلم يرَ مانعًا، فقد كان كثير التردد على القلب الاقتصادي للمغرب. أُقيم حفل زفاف لم تشهد له بني ملال مثيلاً من قبل. زُفت وداد إلى توفيق، ولم تكن تعلم عنه سوى أنه ابن فلان، وأنه تابع دراسته في فرنسا، وحصل على دبلوم مهندس زراعي، وأنه كان قبل أن يتفرغ لنشاطه الفلاحي مسؤولًا رفيعًا في وزارة الفلاحة.
لم يكن هو يعلم عن الفتاة سوى ما قاله أبوه وأهلها. في الحقيقة، لم يكن يعير الموضوع اهتمامًا كبيرًا، ما دام أنه لم يتزوج إلا إرضاءً لرغبة والده.
مرت الشهور، وبدأت وداد تكتشف جوانب كانت تجهلها في شخصية من ارتضته زوجًا. بدأت تستشعر أنه يقيم علاقات مع نساء كثيرات، وكان ذلك يمثل ضغطًا عليها، ينضاف إلى ضغط محيطها الأسري الذي كان ينتظر أن تحمل. لم يكن أبواها ولا والد توفيق يعلمان أنها حاولت، واستشارت أطباء كثيرين دون جدوى.
كان توفيق يغيب كثيرًا عن بيت الزوجية، وقد عرضت على أبويها الأمر ورجتهما أن يعملا على تطليقها. قابلا مطلبها بنصيحتها بالصبر، عله يتغير مع الوقت.
لما يئست من أن يأتي الحل عن طريق والديها، فاتحت توفيق في شأن علاقاته الغرامية المتشعبة واستهتاره برابطة الزواج التي تربطهما. بدا لها أن كلامها فاجأه ببرود دم إلى حد الاستفزاز. قال لها إنه غير مستعد للتخلي عن عاداته وعن خليلاته، ثم، وذاك ما كان له وقع القنبلة على نفسها، قال لها إنه بإمكانها هي أيضًا أن تتخذ خِلّانًا، على ألا تأتي بهم إلى غرفة نومه!
كادت تجن. بكت، وكتمت في نفسها ما أحسته. ظلت تتفادى الانسياق في الاتجاه الذي أراده لها. طال صبرها. ذات سهرة، كانا مدعوين معًا، لكنه تخلف. قال إنه سيلحق بها، لكنها انتظرت ولم يلحق بها، ولم يتصل.
صادفت شابًا وسيما، عرض عليها أن يوصلها إلى البيت. في تلك الليلة خانته للمرة الأولى.
في الغد، اتصلت به، كانت تريد أن تغيظه. قالت له إنها قضت ليلتها مع شاب وسيم. صدمها حين هنأها!
لما يئست وداد من أن ينصلح حال توفيق، بدأت توظف السواق الشباب. كانت تشغل الواحد منهم ثلاثة أو أربعة أشهر، تغريه بالمال وجمالها الفتان، وتتخذه عشيقًا لبعض الوقت، وحين تراه تعلق بها، تفصله عن العمل.
إلى أن جاء شاب اسمه إسماعيل، كان سائقًا ماهرًا، وأكثر من ذلك، كان وسيمًا وقوي البنية. لما سعت إلى استدراجه، بدا متمنعًا، لكنها في النهاية تمكنت من أن توقعه في شباكها.
لكن إسماعيل تعلق بها، وعندما فصلته عن عمله، رفض القرار. جاءها ذات مرة عصرًا واقتحم عليها غرفة نومها، نال منها وطره عنوة.
لم تتقبل وداد أن يعتبرها مجرد سائق ملكًا له. لجأت إلى الحيلة. أوهمته بأنها ستتزوجه ما إن تحصل على طلاقها من توفيق.
اقتنعت وداد بأنها لا تستطيع التخلص منه سوى بقتله.
حجزت منزلاً في مأوى بأطراف ورزازات، واستدرجته إلى هناك. وضعت له جرعة قاتلة في كأسه، لكن القدر شاء أن تشرب منه بالخطأ.
انهارت أمامه، وحين استوعب أنها تحتضر، قرر إعادتها إلى الدار البيضاء، لكنه لم يجد مفرًا من تركها هناك.
كشف التحقيق لاحقًا أن وداد كانت قد خططت لقتله، لكن خطتها ارتدت عليها. لم يثبت تورط إسماعيل، فأُخلي سبيله، وأغلق الملف.

Comments
Post a Comment