ملفات بوليسية: كتبت بماء البصل - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية: كتبت بماء البصل - الجزء الثاني والأخير



...في تلك الليلة، لم يغمض جفن للمهندس رضوان المعمري ولا لزوجته. باتا يفكران في الذي قد يكون حدث لابنتهما سناء العائدة من فرنسا. في البداية، حسبت والدتها أن الابنة جاءت برفقة صديق أو صديقة، وأنها ربما تحاشت اصطحاب من معها إلى البيت. كان ذلك افتراضًا من جملة افتراضات كثيرة، مما زاد من قلق المهندس رضوان المعمري أنه عندما اتصل بالمطار أخبروه بأن ابنته سناء كانت في جملة من وصلوا على متن تلك الرحلة التي حطت بمطار محمد الخامس في حدود الساعة 11 صباحًا.

وقد اتفق مع زوجته على ألا يتعجلا في إبلاغ السلطات عن اختفاء سناء. عاد المهندس رضوان إلى عمله في وزارة التجهيز حيث كان مسؤولًا عن الدراسات وصفقات المنشآت. بعد بضع دقائق من جلوسه على كرسيه، رن هاتف مكتبه. كان المتصل رجلًا لم يقدم نفسه، ولكنه بدأ مباشرة في إبلاغه برسالة قال له فيها إن سناء ستقتل إذا لم يدفع فدية مالية قدرها 300 ألف درهم. وكما في الأفلام التي تتناول جرائم الخطف، حذره المتصل من أي محاولة للاتصال بالشرطة، ثم انقطعت المكالمة.

عاد رضوان على الفور إلى منزله ليبلغ زوجته بما حدث ويستشيرها في كيفية التصرف. تصرفت بغريزة الأم وأخرجت كل حليها وضعتها رهن إشارته على أن يتدبر هو باقي المبلغ. كان يعلم أن الأمر ليس بالسهولة التي قد يتصورها، فالأصدقاء الذين يمكن الاعتماد عليهم ليسوا بالثراء الذي يتيح لهم مساعدته. طرق باب الوزير وعرض عليه الأمر، ولم يتأخر الوزير في التجاوب مع قضية المهندس رضوان، وقد أسفرت مساعيه عن اجتماع أمني رفيع المستوى. كان القرار أن لا يجري المهندس رضوان أي اتصال بالعصابة التي تحتجز ابنته إلا بعد الحصول على إذن السلطات القضائية والإدارية لوضع جميع الخطوط الهاتفية التي يستخدمها على طاولة التنصت.

بعد انقضاء 24 ساعة، اتصل به أحدهم ليقول له إن ابنته في مكان آمن وأنه لن يمسها سوء. ولكن المتصل ظل ممسكًا عن إبلاغ الشرطة. طلب رضوان من مخاطبه أن يمكّنه من سماع صوت ابنته أو أن يبعث إليه بصورة تثبت سلامتها. أبلغه المتصل أنه سيرسل له رسالة ستحمل ما يثبت أن سناء ما زالت على قيد الحياة.

تم تسجيل المكالمة، ولكن قصار مدتها لم يتيح تحديد المكان الذي أجريت منه.

سمعت سناء وقع خطوات تقترب من باب الغرفة التي كانت فيها. تظاهرت بأنها أصيبت بنوبة صرع. عندما فتح الباب، تقدم نحوها أحدهم، وبدت له فاقدة الوعي. مضى إلى المطبخ وأحضر نصف بصلة كبيرة وصار يمررها بمحاذاة أنفها. كان صاحب له يضع أمامها صحيفة بتاريخ ذلك اليوم ويلتقط لها صورًا. تظاهرت باستعادة الوعي، ثم تناولت ورقة وقلمًا وقال لها أن تكتب إلى والدها كلمات تطالبه فيها بالعمل على تخليصها سريعًا مما هي فيه، وأن يفتديها.

تظاهرت بأنها منهكة، ورجته أن يمنحها بعض الوقت لتكتب. خرج الرجلان وأغلق الباب بإحكام. سمعت أحدهما يقول للآخر إن المسألة بدأت تستغرق وقتًا، وأن عليه أن يبلغ السيد أحمد الدقيقي بأن الابنة أصيبت بنوبة صرع أنهاكتها.

السيد أحمد الدقيقي لم يكن اسمًا غريبًا عنها، فقد كانت تُنادِيه "عَمّ أحمد". ساورتها شكوك يصعب عليها تصديق أن ذلك الرجل، الذي كان يأتيها بالحلوى، قد عمد إلى خطفها ومساومة عائلتها. كتبت بقلم أزرق عبارات تستجدي والدها وترجوه التدخل سريعًا لإنقاذها وأن يدفع الفدية المطلوبة. في آخر الصفحة وضعت ثلاث نقاط.

أرادت سناء أن تبلغ والدها بما سمعته دون أن يتفطن خاطفوها. تذكرت لعبة كانت تلعبها مع صديقاتها في الطفولة، وهي الكتابة بالحبر السري، كما كان الصبية يسمونه مستحضرين قصصًا وحكايات من مسلسلات الرسوم المتحركة. كان سجانوها، عندما انصرفوا، قد خلفوا وراءهم في الغرفة الخالية نصف بصلة من الحجم الكبير، لعلهم فكروا في استخدامها إذا عاودت الفتاة نوبة الصرع.

أخذت سناء نصف البصلة وضغطت عليه بقدمها على الأرض، وحصلت على شيء من السائل الذي غمست فيه غطاء القلم. كتبت على ظهر الصفحة: "عَمّي أحمد الدقيقي وراء خطفي".

في الصباح، جاء أحدهم وأخذ الورقة دون أن يتكلم، وكان يضع على وجهه لثامًا. في وقت لاحق من اليوم، توصل المهندس رضوان بالرسالة. كانت معها صورة ابنته التي كانت تبدو ممدة على فراش وعلى صدرها عدد من صفحات صحيفة يومية.

أسرع بتسليم ما توصل به إلى العميد الذي يتابع القضية. وقد لفت انتباهه وجود النقاط الثلاث أسفل الرسالة، مما يعني حسب المتعارف عليه أن باقي الرسالة كتبت على ظهر الصفحة. ولكن عندما قلبها لم يظهر عليها شيء. فُحصت الرسالة في مختبر الشرطة العلمية، وتبين أنها تحمل أثر سائل. كذلك تم اكتشاف الرسالة السرية لسناء، التي كانت تقول: "عَمّي أحمد الدقيقي وراء خطفي".

كان المهندس الدقيقي يزور عائلة المعمري متظاهرًا بالاطمئنان على أحوالها، ولم يكن في تلك الزيارات التي تقاربت وثيرتها منذ أن اختفت سناء ما يثير الاستغراب. فقد كان المهندس أحمد الدقيقي رئيسًا للمهندس رضوان في العمل على مدى 20 عامًا، ثم إنه هو الذي اقترح رضوان لخلافته عندما استفاد من المغادرة الطوعية.

ما كان لرضوان أن يبوح بذلك، إذ لم يكن لديهم من مبرر ليربطوا بين تدهور علاقته مع الدقيقي واختفاء سناء بعد وصولها إلى مطار محمد الخامس. ولكن ما جاء في رسالة سناء التي أبلغها الخاطفون إلى والدها من تلك العبارات التي كتبت بماء البصل، جعلت المهندس أحمد الدقيقي يدخل خانة المشبوهين.

تم وضعه تحت المراقبة، وكان رضوان يبلغ المحققين بكل ما يصدر عن الرجل من قول أو فعل. وهكذا علموا أنه كان وبإصرار ظاهر يدفع عائلة المعمري إلى دفع الفدية ويوحي إلى المهندس رضوان بأنه على استعداد لإقراضه المبلغ ويطمئنه بأنه لن يسدده إلا بعد فترة، ولو استغرق الأمر سنوات.

بأمر من المحققين، الذين كانوا يرغبون في جمع كل ما يثبت تورط الرجل، أبلغه رضوان بأنه سيرد عليه بعد 24 ساعة.

مساء ذلك اليوم، وقد مرت الآن أربعة أيام على اختفاء سناء، ما إن خرجت قيقي من دار عائلة المعمري حتى هاتفها أحدهم. كان هاتفه على طاولة التنصت وقد تم تسجيل المكالمة، حيث كان يبلغ مخاطبه بأن والد الفتاة سيقرر في الفدية خلال 24 ساعة.

وقد تبين أنه كان يتحدث إلى شريك له يدعى خليل النار، الذي استطاع الباحثون كشف هويته من خلال رقم هاتفه. كان الرجل معوانًا له في قسم الدراسات بوزارة التجهيز، وقد استفاد هو الآخر من المغادرة الطوعية.

تم وضع النار تحت المراقبة، وسرعان ما تم تحديد مكانه. بعد ثلاث ساعات تقريبًا، أخذ النار وجهته إلى بوزنيقة، حيث كان مفتشان يقتفيان أثره دون إثارة الانتباه. توقف عند الجزارين واشترى طعامًا ثم ركب سيارته. وصل إلى ضيعة تبعد عن مركز بوزنيقة ببضع كيلومترات. ما إن توقفت سيارته حتى فتح له أحدهم الباب ودخل.

كان المفتشان يبلغان العميد المشرف على العملية بكل المستجدات. تم تحديد مكان وجود الفتاة، وكانت خطة التدخل جاهزة. تم تطويق الضيعة بسرعة، وتجاوز السور، وأمسكوا بالحارس الذي لم تُترك له فرصة للصراخ.

تسلل العميد ومعه ثلاثة من المفتشين إلى داخل البناية، من غرفة تقع في عمق الممر في الطابق الأرضي. سمعوا أحدهم يحاول أن يطمئن الفتاة بأنها ستستعيد حريتها في القريب. فجأة، أمسك رجال الأمن به. كان خليل النار نفسه. تم تصفيته بسرعة. كانت سناء مستلقية على الفراش، وكانت تعاني من تعب وتوتر، ولكنها على ما يبدو لم تكن تعاني من أي إصابة.

تقدم منها العميد وطمأنها، ثم أبلغ والي الأمن بتحرير الرهينة.

Comments

Popular posts from this blog

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية – نهاية مأساوية

ملفات بوليسية: الغرام الأخير - الجزء الثاني والأخير