ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الأول

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الأول


في مطلع خمسينيات القرن الماضي، كان بوسلهام العرباوي يتعاطى التهريب. كان وهو في العشرين من العمر يتاجر في البضائع والمنتوجات المختلفة القادمة من الشمال، يحملها على الدواب حتى إذا ما تخطى نقطة عرباوة حملها على متن سيارة ومضى بها إلى سوق أربعاء الغرب حيث كان يبيعها. وكان الاستعماران الفرنسي والإسباني قد جعلا من عرباوة نقطة حدود بين منطقتي الحماية.

تعود بوسلهام العرباوي أن يواصل رحلته إلى القنيطرة، حيث يشتري سلعًا مهربة من القاعدة الأمريكية ويحملها إلى الشمال الخاضع للحماية الإسبانية. وكان نشاطه ذاك يدر عليه أموالًا هامة. ولما استعاد المغرب استقلاله وتوحّدت أجزاؤه، لم يعد النشاط الذي يقوم به بوسلهام العرباوي ذا نفع أو جدوى، وكان عليه أن يتأقلم مع الوضع الجديد.

انتقل إلى تطوان في العام 1962، وانخرط في تهريب الحشيش الذي كان يأتيه به أحدهم من كتامة إلى إسبانيا عبر مدينة سبتة المحتلة، وفي طريق العودة كان يحمل السجائر وأنواعًا من الخمور. استبدل تهريبًا بتهريب، ولم تكن الجرّة لتسلم كل مرة.

في العام 1975، قُبض عليه بينما كان يحمل في سيارته أكياسًا من الحشيش كان يريد بها الوصول إلى الثغر المحتل. حُكم عليه بالسجن ستة أشهر. في السجن، التقى مغربيًا من سبتة المحتلة كان يقضي عقوبة بالحبس بسبب إساءته إلى سمعة البلد. كان الرجل، واسمه عمار المسبوق، يملك محلًا تجاريًا في الفنيدق يجلب إليه الملابس المستعملة عن طريق باب سبتة، وكان نشاطه يدر عليه أموالًا هامة.

من الطبيعي أن يحدث بين الرجلين تقارب، ومع مرور الوقت صار يفكران في مشاريع مشتركة بعد أن يمضيا عقوبتهما. كانا يريدان "عملية العمر" التي ستكفيهما مخاطر التهريب.

في العام 1975، استعاد المغرب الأقاليم الصحراوية التي كانت تحت الاحتلال الإسباني، وكانت أجواء الإعداد للمسيرة الخضراء تعمّ كل أرجاء البلاد. لما غادر بوسلهام السجن، قبله بأيام كان عمار المسبوق قد استعاد حريته، فأوحى إلى صاحبه أن فرصة العمر بالنسبة إليهما توجد في الأقاليم الصحراوية. بعد فترة، سيشرع في سحب "البسيطة" الإسبانية من التداول ليتم تعويضها بالدرهم، العملة الوطنية. كانت العملية تعود على من لديهم أرصدة بـ"البسيطة" بأرباح لا تقل عن 30%.

هكذا قامت شراكة بين السجينين السابقين، واستقر بوسلهام العرباوي في العيون، وكان صاحبه عمار المسبوق يرسل إليه على دفعات مبالغ هامة بـ"البسيطة"، ليتولى بوسلهام استبدالها بالدرهم محققًا أرباحًا مهمة. كانت له شبكة تتيح له الاستفادة من تلك العملية.

كانت "عملية العمر" كما توقعها، وفّرت لهما أموالًا طائلة. استقر بوسلهام في الدار البيضاء، حيث اشترى عمارتين كانت عائداتهما من الكراء تغنيه عن كل عمل، وكذلك فعل السبتي الذي اشترى عدة عقارات في تطوان، لكنه لم يستغنِ عن تجارة الملابس المستعملة.

ومع مرور الوقت، لم يعد الشريكان يلتقيان إلا نادرًا، حين كان بوسلهام يتوجه إلى الشمال في الصيف، ثم انقطعت كل صلة بينهما. لم يتزوج بوسلهام، بالرغم من أن أيام الشباب قد ولّت عنه، وداوم على ملاحقة الحسناوات، حتى جعل من نزواته نمط عيش. كثرت عشيقاته وطالت قائمة اللواتي فارقنه وفارقهن.

كان كثير الأسفار، وكان ما تراكم لديه من مال يسمح له بشراء كل شيء. وذات رحلة إلى أمستردام، كان بين طاقم الطائرة مضيفة ذات أناقة وجمال لا يخطئهما ذو بصر. ذهبت بعقله، وقال في نفسه: "سأضيفها إلى القائمة."

حاول إقناعها بمرافقته إلى الفندق الذي سينزل به، وكان فندقًا من فئة خمس نجوم، ولكنها أعرضت عنه وتجاهلت تلميحاته. وفجأة، وجدها تنزل في الفندق نفسه! في الصباح، توجه إلى بائع مجوهرات واشترى خاتمًا مرصعًا بالأحجار الكريمة. كان يرى أنها لن ترفض الهدية وستتجاوب، ولكنها رفضت.

طيلة الأيام التي قضاها في أمستردام، ظل يلاحقها. علم أن الحسناء التي أقلقته تسمى حليمة الورداني. حيّره تمنعها، فهو الذي لم يألف أن تتحداه ذات حسن. كان يرى أن كل شيء يُشترى بالمال، ولم يكن له رأي آخر.

في رحلة العودة إلى الدار البيضاء، كانت حليمة ضمن أفراد الطاقم. كان بوسلهام قد قرر أن يمضي معها إلى أبعد ما يمكن، حتى ولو اقتضى الأمر أن يتزوجها. الزواج؟ لما لا! ستصير له، وسيكون باستطاعته أن يطلقها بعد أن يقضي وطره منها.

استقر رأيه على تلك الفكرة، وهكذا انتظر اللحظة المناسبة وفاتحها في الأمر. قال لها إنه يريد أن يتزوجها. ابتسمت ثم مضت. ولما باشرت الطائرة الهبوط إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، أعطته رقم هاتف البيت.

في اليوم التالي، اتصل بوسلهام بمنزل عائلة الورداني. أجابته والدة حليمة، رحّبت به، وكانت ابنتها قد تحدثت معها بشأن الرجل الذي جذبها. كانت أم حليمة ترى أن الرجل، بالرغم من كل ما يملك، يبقى رجلًا نكرة، ولذلك نصحت ابنتها بالحصول منه على كل الضمانات.

أمهرها عشرين مليون سنتيم، ولكنها اشترطت عليه أن يهبها واحدة من العمارات السكنية التي يملكها في الدار البيضاء. بدا مترددًا، واستمهلها بضعة أيام. راح يستشير صديقًا له من هيئة العدول، فأوحى إليه بأن يستجيب، على ألا يتم تسجيل عقد الهبة. قال له: "سيكون بإمكانك أن تتراجع قبل انقضاء عام على تاريخ الهبة."

تزوج بوسلهام من مضيفة الطيران الجميلة حليمة. سافر معها على مدى نحو شهرين، وكان غاية في السعادة، في الظاهر على الأقل. وقد أدهشته بما تعرفه عن تلك البلدان التي زاراها في أمريكا اللاتينية وفي جنوب شرق آسيا. جعلته، وهي تترجم له، ينهل من معلومات كثيرة حول الأماكن التي شملتها الرحلة.

ولما عاد إلى الدار البيضاء، حيث جهّز لها بيتًا فسيح الأرجاء، طلب منها أن تتوقف عن العمل كمضيفة طيران. قال لها إنه يغار عليها، ولم يتقبل أن يتحرش بها أي كان. بدا بوسلهام وقد تعلق بها، ولم يكن يريد فراقها، هو الذي لم يتزوجها إلا ليصل إلى الاستمتاع بجمالها، وبنية أن يجعلها تنتهي كالأخريات من قبلها في قائمة عشيقاته الكثيرات.

قال لها إنه على استعداد ليخصص لها أجرًا شهريًا، ولكن حليمة رفضت العرض واعتبرته اعتداءً على كرامتها وحريتها، وأكدت له أنها لن تتخلى عن عملها إلا بمحض إرادتها.

وهكذا بدأ الخلاف الأول بينهما، وكان أيضًا امتحانًا أول لاختبار مدى قابلية زواجهما للصمود والاستمرار. رحل بوسلهام عن البيت، وعادت هي إلى بيت والدتها. لم تكن تبدي أسفًا كبيرًا عليه، فهي تراه ذلك الرجل الذي لاحقها مستعملًا ما أوتي من مال للتمتع بجمالها. وكانت تعلم أنها لم تتزوجه لأنها وقعت في حبه، بل قبلت به زوجًا طمعًا فيما لديه من مال.

لم تعطه قلبها، فقلبها كان لمن أحبته وأحبها. كان شابًا مثلها، اسمه عصام الزهري، يعمل مدربًا في نادٍ رياضي شهير بالدار البيضاء. كان عصام يتابع أخبارها، ولما علم بعودتها من رحلة شهر العسل، اتصل بها. التقيا في النادي، فأكد لها أنه يحبها، ولامها على قبولها الزواج من ذلك الأبله، بوسلهام.

مضت عدة أيام قبل أن يأتي بوسلهام إلى منزل أم حليمة، يطلب منها العودة إلى البيت. قال لها إنه يتراجع عن مطالبتها بالتوقف عن العمل. عادت إلى البيت، إذ لم يكن لديها مبرر لمواصلة الهجر. عادت، وكان يقول لها إنها ملكت قلبه ولا يستطيع فراقها، وكانت ترد بأنها أيضًا تحبه، ولكنها كانت تضمر له شيئًا آخر...

يتبع...

Comments

Popular posts from this blog

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية – نهاية مأساوية

ملفات بوليسية: الغرام الأخير - الجزء الثاني والأخير