ملفات بوليسية: النصابون - الجزء الثاني والأخير

 ملفات بوليسية: النصابون - الجزء الثاني والأخير



...بين فبراير وأغسطس من العام 2001، تمكنت عصابة من أربعة أشخاص من النصب على عشرات المواطنين في كل من أكادير ووجدة. في أكادير، نشرت العصابة إعلانًا باسم شركة سعودية يفيد بحاجتها إلى يد عاملة مغربية مؤهلة. وفي المرة الثانية في وجدة، نصبت العصابة على عشرات آخرين من خلال إعلان لشركة كويتية مزعومة. كانت العصابة تطلب من المرشحين دفع ثمن تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا إلى السعودية والكويت على سبيل الضمانة، وتوهمهم بأنهم سيكونون قادرين على استرداد تلك المبالغ المالية بعد التثبت من مؤهلاتهم المهنية وتوقيعهم على عقد العمل النهائي.

في أكادير وفي وجدة، لم تتمكن مصالح الشرطة من الوصول إلى أفراد العصابة، ولذلك فإن ملفي عملية النصب اللتين تعرض لهما مواطنون من المدينتين ظل مفتوحين على مستوى قسم الشؤون الجنائية التابع لمديرية الشرطة القضائية. كان المتوقع أن تتحرك العصابة في مدينة أخرى، ولذلك تم تعميم مذكرة في هذا الشأن على مختلف مصالح الأمن.

في مطلع أكتوبر من العام 2001، رصد مفتش للشرطة بوادر تحرك العصابة من خلال توجهها صوب نشر إعلان في صحيفة جهوية تصدر بمدينة طنجة. كان الإعلان هذه المرة باسم شركة ليبية. تحركت مصالح الأمن المحلية وفرضت مراقبة على مدار الساعة على المقر الكائن بالعنوان المنشور في الإعلان. تدفق على المكان عشرات من المرشحين للعمل في ليبيا، وكما كان الحال في أكادير وفي وجدة، فإن العصابة التي تتخذ شكل لجنة للاختيار، اشترطت على من استوفوا الشروط دفع ثمن تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا إلى طرابلس.

كان المرشح يتسلم وصلاً مختومًا بختم الشركة يتضمن قيمة ما دفعه من مال. في الخامس من نوفمبر، كان موعد دفع ثمن تذكرة السفر. كان المكان تحت المراقبة، وما إن خرج المرشح الأول حتى أحاط به أربعة من مفتشي الشرطة واقتادوه إلى سيارة كانت مركونة غير بعيد. علموا منه أنه دفع المبلغ المطلوب وقدم لهم الوصل، كما أفاد بأنه تلقى المطبوع الذي يتعين ملؤه من قبل طبيب يشهد بأن المعني بالأمر لا يعاني من مرض معدي.

تبين أن ساعة التدخل قد حانت. حضر إلى عين المكان رئيس الأمن الإقليمي، وتم تشكيل فريق للتدخل من 20 من أفراد الأمن. تم تطويق العمارة التي تأوي الشقة التي يوجد بها أفراد العصابة، وارتقى عدد من أفراد الأمن أسطح العمارات المجاورة. كانت الخطة تقضي بعدم ترك مجال لفرار أي من أفراد العصابة. في الساعة الرابعة عصرًا، تقدم العميد بمفرده إلى باب الشقة، مدعيًا أنه من المرشحين للعمل في ليبيا. وما إن فتح الباب حتى اقتحم الشقة عشرة من أفراد الأمن الأقوياء، فاجأوا ثلاثة رجال كانوا يرتدون الزي الخليجي. في تلك اللحظة كانوا بصدد استلام مبلغ مالي من أحد الضحايا. تم تفتيش الشقة وحجز جميع وسائل الإثبات. تم تصفيد الثلاثة رفقة الزبون الأخير إلى مفوضية الشرطة، كما تم القبض على الشخص الرابع في العصابة. تم إغلاق الشقة وختم بابها بالشمع الأحمر لمعاودة تفتيشها إن اقتضى الحال. حجز رئيس الشرطة القضائية جميع الوثائق والحقائب التي كانت في الشقة، وتم نقل المحجوز إلى مقر المفوضية حيث بوشرت عملية فحصها. تم اكتشاف عدة جوازات سفر مزيفة من جنسيات مختلفة وكانت تحمل صورة شخص واحد.

أول من تم استنطاقه هو الشخص الذي كان ممسكًا بمفتاح الشقة. تبين أنه مجرد عامل استخدم لتنظيم عملية دخول المرشحين للعمل (الضحايا)، وأنه لا صلة له بالفعل الإجرامي. كان نفسه يعتقد أنه يعمل لحساب الشركة الليبية. الأدلة والحجج التي توفرت لم تترك للثلاثة الباقين مجالًا للإنكار. اعترفوا بما نسب إليهم من أفعال اقترفوها في أكادير ووجدة، وفي طنجة اتضح أن العقل المدبر لتلك الأفعال الإجرامية هو المدعو عثمان الأفريقي، وهو مغربي من مواليد الدار البيضاء في العام 1960.

صرح عثمان الأفريقي بأنه هاجر للعمل في المملكة العربية السعودية حيث قضى خمسة أعوام في خدمة إحدى الشركات الكبرى. بدأ مساره في الشركة كعامل بسيط في مطار جدة، ثم تمت ترقيته إلى مساعد في مصلحة الشحن بالمطار. وبسبب ارتكابه مخالفة لقانون الهجرة في السعودية تم ترحيله إلى المغرب. قبل طرده من العمل، كان قد سرق عددًا من جوازات السفر تعود لمواطنين من بلدان عربية مختلفة. قال إنه بعد طرده من العمل قرر استخدام تلك الجوازات، وخاصة التي تعود لمواطنين من الشرق الأوسط، في أعمال إجرامية تسيء إلى سمعة تلك البلدان.

في سياق ذلك التوجه الإجرامي، عمد الأفريقي إلى إنشاء شركات وهمية يقدم نفسه على أنه المتحدث باسمها ويوهم ضحاياه بتمكينهم من فرص عمل في بلدان خليجية وعربية. في الدار البيضاء التقى عاطلين عرض عليهما مشروعه فوافقا على أن يكونا شريكيه. كانت أول عملية نصب قامت بها هذه المجموعة هي شراء ورقتين من فئة 100 دولار تم استنساخهما وتكوين حزم مالية. في أكادير اعترف عثمان الأفريقي أنه حجز غرفة في أحد الفنادق الفخمة، قضى بها ثلاثة أيام قبل أن ينتقل مع رفيقيه إلى الغرفة المفروشة التي اتخذوها مكتبًا للشركة السعودية الوهمية. بعد استقرارهم هناك، استخدموا شابًا أوهمه بنقله معهم إلى السعودية حيث سيتقاضى راتبًا يعادل ضعف ما يتقاضاه في أكادير. كانت مهمة هذا الشاب تنظيم عملية إدخال المرشحين للعمل الذين تم استقطابهم بواسطة الإعلان المنشور في الصحيفة المحلية.

في أكادير، تم النصب على عشرات الأشخاص، وتوصلت مصالح الأمن بشكايات من 23 شخصًا جرى النصب عليهم في أكادير. استولت العصابة على مبلغ مالي يزيد على 345 ألف درهم. قضى أفراد العصابة أسبوعين في أكادير ثم اختفوا. كانت مدينة وجدة وجهتهم التالية. لم يغيروا سيناريو الاستقطاب: إعلان في جريدة محلية، شقة مفروشة تم استئجارها لتكون مركزًا لتسجيل المرشحين للعمل. كانت هناك مواعيد يدفع خلالها المرشحون ثمن تذاكر السفر.

عندما غادرت العصابة مدينة وجدة، كانت قد استولت على نحو 500 ألف درهم. بعد أكثر من ستة أسابيع، ظهرت العصابة في طنجة، ولكن طنجة كانت المحطة الأخيرة في مسيرة تلك المجموعة الإجرامية. تجسدت يقظة الأجهزة الأمنية التي كانت قد وضعت في اعتبارها تحركًا جديدًا لتلك العصابة بعد عمليتيها في وجدة وأكادير. جاءت اعترافات الشريك المدعو عثمان الأفريقي حاملة تفاصيل دقيقة حول كيفية عمل العصابة وخططها الإجرامية. كما أن المواد التي تم حجزها في الشقة المفروشة بطنجة، فضلاً عن جوازات السفر، تضمنت وثائق مختلفة.

نتائج الخبرات التي أُجريت على جوازات السفر التي عُثر عليها أفادت بأنها جوازات سفر سليمة تم تبديل صور أصحابها بتقنية عالية وتعويضها بصورة المدعو عثمان الأفريقي. أثبتت التحريات، وأبانت أيضًا اعترافات الظنين، أنه استخدم ثلاثة جوازات من تلك التي سرقها بينما كان يعمل في السعودية. في مدينة أكادير استعمل جواز سفر مصري كان يحمل صورته ولكنه يحمل اسم صاحب الجواز الأصلي. وقد سخر تلك الوثيقة في حجز غرفة في الفندق. أما في مدينة وجدة، فقد استعمل جواز سفر يعود إلى مواطن ليبي، بينما استعمل في مدينة طنجة جواز سفر تونسي.

تعدد جوازات السفر التي استعملها المتهم جعل في المرحلة الأولى من الصعب تقفي أثره، ذلك أن أيًا من تلك الجوازات لم يتم ختمه في نقط الحدود. علمنا في مستهل اعترافاته أنه رحل من السعودية منذ فترة لخرقه القوانين المتعلقة بالهجرة. ضمن الوثائق التي تم حجزها أيضًا نماذج لعقود عمل ودفاتر توصيلات. بينت الخبرة التي أجريت في مختبر الشرطة العلمية أن الورق المستعمل في تلك الوثائق من عينة واحدة، كما أن تحرير مضامينها تم باستخدام آلة كاتبة واحدة.

تولت الشرطة القضائية بطنجة هذا الملف، وبالتنسيق مع الشرطة القضائية بالدار البيضاء، تم تفتيش منازل الأطباء الثلاثة الذين ينحدرون من تلك المدينة، فتم اكتشاف الآلة الكاتبة التي سُخرت في صياغة الوثائق، وأيضًا دفاتر حسابات بنكية تعود للأطباء. وقد تبين أنهم أودعوا تلك الحسابات مبالغ مالية هامة حصلوا عليها من عمليات النصب التي قاموا بها. تم إشعار المؤسسات البنكية التي توجد بها تلك الحسابات بمنع صرف أي مبلغ مالي إلى حين صدور الأحكام القضائية.

كثيرة هي قضايا النصب التي تعاملت معها مصالح الشرطة، وكانت القضية التي عرضناها واحدة من تلك القضايا التي أبانت عن أن النصب والاحتيال كثيرًا ما يتم تحت غطاء الجدية والنزاهة.

Comments

Popular posts from this blog

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية – نهاية مأساوية

ملفات بوليسية: الغرام الأخير - الجزء الثاني والأخير