ملفات بوليسية: الغرام الأخير – الجزء الأول
ملفات بوليسية: الغرام الأخير – الجزء الأول
كثيرة هي القضايا التي تظل راسخة في أذهان من تولى التحقيق فيها أو تعاطوا معها بشكل أو بآخر، أما لغرابة موضوعها أو لكثرة تعقيداتها وما كانت تنطوي عليه من أسرار. القضية التي نتناولها الآن واحدة من تلك القضايا. لم يكن الحاج مبارك الودنوني نكرة في مكناس في ستينيات القرن الماضي، كان من المقاولين المعروفين في المدينة، ولذلك حظي مقتله باهتمام خاص من الرأي العام المحلي.
نحن في العشرين من يوليوز من العام 1971، وحرارة الصيف تنزع إلى الارتفاع المفرط. في ذلك اليوم، توصلت الفرقة الجنائية الأولى بالمصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بملف مقتل الحاج مبارك الودنوني. كان رجلاً في العام 81 من عمره عندما فارق الحياة، بينما كان نزيلًا في مصحة الراحة حيث أُجريت له عملية جراحية لاستئصال البروستاتا. عُثر عليه ليلة التاسع عشر إلى العشرين من يوليوز في سريره وقد مات مختنقًا.
أسرع العميد علي الهمام، المكلف بالفرقة الجنائية الأولى، إلى مصحة الراحة، رافقه أربعة من مساعديه المعروفين بكفاءتهم. بعد معاينة الغرفة حيث كانت جثة القتيل مسجاة على السرير، التقى العميد الهمام بالطبيب الذي أجرى العملية الجراحية للحاج مبارك. أكد الطبيب أن العملية كللت بنجاح، وأن الحاج مبارك كان سيغادر المصحة بعد عشرة أيام على أبعد تقدير، وأن وفاته لم تكن طبيعية؛ لقد تم خنقه بوسادة كتمت أنفاسه حتى الموت.
انتقل العميد الهمام بالممرضة التي اكتشفت موت الحاج مبارك الودنوني. قالت إنها تفقدته بعد الساعة الثامنة من مساء التاسع عشر من يوليوز، وكان برفقته ابن أخيه حسن الودنوني الذي أتى به إلى المصحة. أبلغ العميد رؤساءه والنائب المكلف بالمداومة لدى النيابة العامة، ثم باشر الإجراءات الأولية، منها نقل الجثة إلى المستودع البلدي للأموات. تقرر أن تجرى عملية التشريح في اليوم ذاته في الثالثة بعد الزوال.
في انتظار نتيجة التشريح، تم استدعاء حسن الودنوني، ابن شقيق الهالك، للاستماع إليه لأنه من أقارب الضحية ولأنه كان آخر من زار الشيخ القتيل. أكد حسن للمحققين أن عمه الهالك تبناه صبيًا لما تيقن أن لا علاج لعقمته، جاء به من تارودانت. أكد حسن الودنوني للمحققين أنه لم يزر عمه في المصحة مساء التاسع عشر من يوليوز، وأنه ظل في المقهى الذي فوته إليه عمه حتى منتصف الليل. أضاف أن زبائن المقهى شهود على ما يقول، ثم ألم يكن عمه رجلاً طاعنًا في السن؟ ألم يكن هو وريثه؟
للتأكد من كل ما يدعيه حسن الودنوني، قام العميد علي الهمام بإرسال اثنين من مساعديه إلى المقهى الذي يديره حسن، وابقى عليه هو معه في المكتب. بعد ساعتين، عاد المساعدان وقد توصلوا إلى ما يؤكد ما قاله حسن. يبقى الآن الاستماع إلى الممرضة التي ادعت أنها حين تفقدت مريضها الحاج مبارك الودنوني مساء التاسع عشر من يوليوز، وجدت عنده ابن شقيقه حسن الودنوني. لدى العميد علي الهمام الآن ما يطعن في أقوال الممرضة، لديه شهادات متعددة تفيد بأن حسن الودنوني لم يبرح مقهاه حتى منتصف ليل التاسع عشر من يوليوز.
لم تكن الأسباب الحقيقية لموت الحاج مبارك الودنوني قد تجلت بالكامل بعد، ولذلك فإن التعمق في بحث التناقض الجلي بين أقوال الممرضة وما يدعيه حسن ويؤكده الشهود سيترك هذا الجانب على الهامش بشكل مؤقت. ولكن الملف لم يُقفل، فقد أوكل العميد الهمام إلى اثنين من مساعديه ممن التحقوا حديثًا بالخدمة مهمة المراقبة الخفية للممرضة وتدعى مريم الزكي وابن شقيق الهالك حسن الودنوني.
وكما كان مقررا، في الساعة الثالثة من عصر العشرين من يوليوز، باشرت الطبيبة الشرعية تشريح جثة الحاج مبارك الودنوني. أثبتت النتائج أن الرجل مات مختنقًا، خنقه قاتلٌ بوضع شيء ما على أنفه وفمه.
لم يعد هناك من شك الآن، فالعميد علي الهمام وفريقه بصدد التعامل مع جريمة قتل. وكل الأشخاص الذين كانوا يدورون في فلك الشيخ الهالك يجب أن يشملهم التحقيق. من المؤكد أن هناك طرفًا له فائدة من وراء قتل الحاج مبارك، ويتعين الآن الوصول إلى ذلك الطرف أو الأطراف.
يتركز التحقيق على حسن الودنوني للقرابة التي تربطه بالهالك، وأيضًا على الممرضة مريم الزكي لأنها ادعت أنها رأت حسن في غرفة الشيخ وقتًا قصيرًا قبل أن يُكتشف ميتًا. أفادت التحريات التي أمر العميد الهمام بإجرائها حول مريم الممرضة بأنها مطلقة منذ خمسة أعوام ولها طفل. كشف البحث أن زوجها السابق طلقها بعدما اكتشف أنها على علاقة بممرض كان يشتغل معها. مع ذلك، تضيف نتائج التحقيق أنها صارت تتمتع بسمعة طيبة.
وكان من الشائعات الأخيرة التي تروج حولها أنها مقبلة على الزواج من شيخ ثري. تقول حسابات الفضوليين إنه لن يلبث أن يغادر هذا العالم ليترك لها وابنها ثروة محترمة تكفيهما الفاقة.
عاد المحققون بمعلومات حول حسن الودنوني تقول إنه شاب حسن السلوك، أتى به عمه من مسقط رأسه في سوس، وبعد أن أبان عن استقامته وإخلاصه جعله ساعده الأيمن لما كان يتاجر في مواد البناء. ولما تقدم العمر بالعم مبارك، تخلى عن التجارة في مواد البناء، ولتأمين دخل لابن شقيقه حسن، اشترى له مقهى أسفل عمارة واشترى هو عدة شقق أكتراها لتوفر له دخلًا هامًا.
أكد المحققون أن حسن الودنوني لا يغادر مقهاه الذي يعرف إقبالًا كبيرًا إلا لأمرٍ ما، حين يذهب إلى شقته في العمارة نفسها.
المعطيات التي توفرت للعميد علي الهمام تبقي على السؤال الكبير مطروحًا: من المستفيد من قتل الحاج مبارك الودنوني؟ حسن الودنوني ابن شقيقه كان شابًا بارًا بعمه الذي تبناه، وأغدق عليه من كرمه. ثم إنه كان سيرثه، ولا تبدو هناك حاجة إلى التعجيل برحيل العم. فضلاً عن ذلك، فقد كان العم مبارك قد فوض إليه تدبير ثروته وحسابه البنكي. وبشهادة مدير الوكالة البنكية، فإن الشاب كان يحسن التدبير.
الممرضة مريم، مع افتراض صحة الشائعات التي تحدثت عن قرب زواجها من ثري مسن، ومع افتراض أن الثري المسن هو الحاج مبارك الودنوني، فإن المنطق يقول إنها لن تجني ربحًا من مقتله قبل أن يعقد عليها.
فرضيات وأسئلة كثيرة تحيط بقضية مقتل الحاج الودنوني، التي تتخذ الآن شكل لغز حقيقي يتعين حله وكشف أسراره.
المراقبة التي تخضع لها الممرضة لم تأتِ بإضافات، بينما سجل الفريق المتناوب على مراقبة حسن الودنوني أنه ذو أطوار متقلبة في تعامله مع زبائنه في المقهى، فهو يتحدث إليهم تارة بلهجة تعلوها لكن مكناسية لا تخفى، حيث الجيم زايون، وأحيانًا يحدثهم بلهجة لا تخفى لكنها سوسية، تعلو كلامه.
تقلبات استوقفت المكلفين بمراقبة حسن الودنوني. قد يستنتج البعض أن الشاب يعاني من ازدواجية في الشخصية.
أثناء فحص الغرفة التي كان الحاج مبارك موجودًا بها حتى مقتله، رفعت بصمات عدة بصمات للممرضة مريم، وأخرى بصمات غريبة عن المحيط المعلوم للشيخ الهالك. كان الفريق المكلف بالتحقيق حول هذه القضية قد أخذ بصمات كل الأشخاص الذين ترددوا على الحاج الودنوني في غرفته بمصحته الراحة. البصمة الغريبة لم تكن لأحد من هؤلاء...
... يتبع.

Comments
Post a Comment