ملفات بوليسية: النصابون - الجزء الأول
ملفات بوليسية: النصابون - الجزء الأول
كل يوم يتلقى قسم الشؤون الجنائية التابع لمديرية الشرطة القضائية ملخصًا من مختلف مصالح الأمن بالمغرب، فيتم فتح ملف لكل قضية. تلك الملفات لا يتم إقفالها إلا بعد انتهاء التحريات وبعد تقديم الجاني أو الجناة إلى العدالة. وهكذا، بعد التوصل ببرقية في قضية من القضايا، يقوم العمداء والضباط العاملون ضمن إطار هذا القسم بدراستها من الجوانب التقنية والقانونية لتفادي كل خطأ في التقدير وكل توجيه غير سليم. وفي حال ما إذا تبين أن الأمر يتعلق بقضية ارتكبت على الصعيد الوطني، فإن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تتولى متابعة الأمر.
قبيل ربيع العام 2001، توصل قسم الشؤون الجنائية التابع لمديرية الشرطة القضائية بنظير ملف يتضمن 23 شكوى تتعلق بعمليات نصب تعرض لها مواطنون من مدينة أكادير. لم تكن التحريات التي أُجريت على المستوى المحلي في أكادير قد أفادت بإلقاء القبض على المتورطين في أعمال النصب تلك. وقد استنتج الباحثون أن الجناة المفترضين أربعة، وصلوا إلى أكادير يوم الخامس والعشرين من فبراير من العام 2001، وأن من بينهم شخصًا يحمل الجنسية المصرية.
أفادت التحريات أيضًا بأن المصري استأجر غرفة في أحد الفنادق الكبرى بالمدينة، وأن من يفترض كونهم شركائه استأجروا شقة مفروشة في وسط المدينة.
أفاد التحقيق الذي أُجري بأن تلك المجموعة قامت بنشر إعلان في صحيفة محلية يُخبر بأن شركة سعودية تعتزم توظيف مئة عامل متخصص للعمل في المملكة العربية السعودية. كان الإعلان المنشور في الجريدة المحلية يستعجل من يهمهم الأمر للاتصال بعنوان لم يكن في الحقيقة سوى عنوان الشقة المفروشة التي استأجرتها مجموعة الأربعة.
بعد يومين، تقاطر مرشحون كثر على العنوان المذكور، وكانوا كما هو مطلوب منهم في الإعلان، مصحوبين بجوازات سفرهم وشهادات عمل تثبت خبرتهم في المجال الذي سيعملون فيه. لم يكن يخامر المرشحين للتعاقد مع تلك الشركة السعودية أدنى شك في جدية العرض. كما أن أحدهم، بمجرد وصوله إلى الشقة التي اتخذها من يقدمون أنفسهم مندوبين عن تلك الشركة مقرًا لهم، كان يجد في استقباله شابًا قويًا كانت مهمته فحص جوازات السفر وتوجيه المرشحين الذين يحملون ملفًا مكتملاً. يتم توجيههم إلى غرفة، ما إن يُفتح بابها حتى يجد المرشح نفسه في مواجهة لجنة حقيقية من ثلاثة أفراد يتكلمون باللهجة الخليجية. قرارات اللجنة فورية؛ فما إن يتيقن أفرادها من أن المرشح يستوفي كل الشروط حتى يبلغوه بأن التعاقد النهائي معه لن يتم سوى بعد تواجده في المملكة العربية السعودية وبعد التأكد من أن الشهادة المهنية التي قدمها ليست زائفة.
تقترح اللجنة أن يسدد المرشح ثمن تذكرة الطائرة من الدار البيضاء إلى مدينة الظهران السعودية ومن الظهران إلى الدار البيضاء. ولطمأنة المرشح المقبول مبدئيًا، تعده اللجنة بأنه سيستعيد ثمن تذكرة السفر إذا ما أثبت كفاءته مباشرة بعد توقيعه على عقد العمل النهائي.
وافَق مرشحون كثيرون على العرض، ولكن مرشحين آخرين تراجعوا لأنه لم يكن بمقدورهم توفير ثمن تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا إلى الظهران. حين مثل المرشحون المقبولون أمام اللجنة للمرة الثانية، طُلب منهم دفع ثمن تذكرة السفر إلى أحد الثلاثة الذين تم تقديمه كمحاسب من الشركة السعودية، إمعانًا في طمأنة المرشح. يُسلم له وصل مختوم يتضمن قيمة المبلغ المالي إثر ذلك، ومطبوعًا يتعين أن يوقعه طبيب يشهد بأن المعني بالأمر خالٍ من كل مرض من الأمراض المعدية.
في ظرف أسبوع واحد، تمكنت عصابة الأربعة من الاستيلاء على ما لا يقل عن 345 ألف درهم. إثر ذلك، اختفت المجموعة من أكادير بينما ظل عشرات من المرشحين يطرقون الباب الموصد للشقة التي كانت المجموعة تتخذها مقرًا لها. وبعد أن طال انتظارهم، قرروا اللجوء إلى الشرطة وتقديم شكاياتهم.
في المجموع، توصلت الشرطة في أكادير بثلاث وعشرين شكوى. كانت الخطوة الأولى التي قطعها المحققون الاتصال بصاحب الشقة المفروشة، الذي أكد أن رجلًا خليجيًا، فيما يبدو، اتصل به لاستئجار الشقة، وأنه بعد أن زارها طلب منه أن يرافقه إلى الفندق حيث يقيم مدير الشركة التي تريد إتمام الإجراءات. كان الرجل قد اعتاد كراء الشقة للأجانب، ولذلك فإنه لم يرَ مانعًا من التوجه إلى الفندق وإتمام العملية. ما يهمه في النهاية هو أن يؤجر شقته ويحصل على ثمنها.
أفاد الرجل المحققين بأنه في غرفة الفندق وجد نفسه أمام شخص يظهر أنه من عليا القوم. لم يتحدث إليه سوى بضع دقائق ثم أخرج حزمة من الدولارات ودفع ثمن الإيجار، وكلف أحد معاونيه بتسلم مفتاح الشقة.
في الفندق، علم المحققون أن المكلف باستقبال الزبناء سلم مفتاح الغرفة إلى شخص واحد يحمل الجنسية المصرية كما أكد ذلك جواز سفره، وأن الأخير غادر الفندق بعد أن دفع ما ترتب بذمته. لا معلومات حول الثلاثة الآخرين الذين كانوا يترددون عليه في الفندق.
لم يغفل المحققون الجريدة المحلية التي نشرت الإعلان الذي استقطب المرشحين للعمل. قال مسؤول الإشهار في الصحيفة إن مصلحته توصلت في السابع والعشرين من فبراير برسالة من الشركة السعودية بعث بها عبر الفاكس تطلب تزويدها بمعلومات حول تكلفة نشر الإعلان على صفحات جديدة. كان المطلوب موافاتها بالرد في اليوم نفسه. كذلك، قال مسؤول الإعلانات إنه في اليوم التالي حضر إلى مقر الصحيفة شخص يرتدي زيًا خليجيًا، أبلغه أنه ممثل الشركة التي ترغب في نشر الإعلان. كانت الصحيفة تريد دفعًا مقدمًا بشيك مضمون، لكن الرجل الخليجي اعتذر وتذرع بأنه ليس مقيماً في المغرب. اقترح الدفع نقدًا وبالدولار، ولكن إدارة الصحيفة أصرت على أن يكون الدفع بالدرهم. قال مسؤول الإعلانات إن الخليجي عاد بعد نصف ساعة ودفع ثمن الإعلان لقاء وصل سُلم إليه ثم اختفى.
ورغم دقة المعلومات، فإن مصالح الشرطة في أكادير لم تتمكن من الوصول إلى أفراد المجموعة الذين بدا أنهم غادروا المدينة دون أن يتركوا أثرًا. توقف البحث في انتظار توفر معطيات جديدة، وهكذا فتح قسم الشؤون الجنائية التابع لمديرية الشرطة القضائية ملفًا لهذه القضية.
لم تثمر التحريات التي أُجريت حول صاحب جواز السفر المصري، ولم يتسنَّ رصد تاريخ دخوله إلى المغرب ولا ما إذا أقام في مدينة أخرى غير أكادير. في السابع والعشرين من أغسطس من العام 2002، توصل قسم الشؤون الجنائية التابع لمديرية الشرطة القضائية بنسخة من ملف مشابه لملف أكادير. هذه المرة كان من وجد في الملف هو تونسي، وكان صاحب الإعلان الذي تطلب يدًا عاملة مغربية مؤهلة شركة كويتية. ما استولى عليه أفراد العصابة قبل اختفائهم عن وجه الأرض بلغ نحو خمسين مليون سنتيم.
صار جليًا أن العصابة ستظهر مرة ثالثة في مدينة أخرى غير أكادير أو وجدة، ولذلك تم تعميم مذكرة على مختلف مصالح الشرطة في المغرب لترقب الظهور الجديد للعصابة. قدمت المذكرة المعلومات المتوفرة.
في أوائل أكتوبر من العام 2001، في طنجة، كان مفتش للشرطة من مصلحة الاستعلامات العامة في منزله عندما زاره صهر له يعمل في صحيفة جهوية. أثناء تجاذب أطراف الحديث، أسر الصهر إلى مفتش الشرطة بأن أجنبيًا تقدم إلى الجريدة وطلب نشر إعلان لشركة ليبية تريد توظيف 200 عامل مغربي متخصص. وقد دفع الرجل ثمن الإعلان نقدًا، كما أنه لم يكن قط يتحدث باللهجة الليبية. بدا الصهر متشككًا، ولذلك التمس رأي صهره مفتش الشرطة الذي كان من المشهود لهم بالكفاءة والخبرة. تحاشى المفتش الحديث لصهره عن أهمية وخطورة ما هو بصدد الكشف عنه، واقنعه بضرورة إتمام الصفقة مع الأجنبي، وأن ينشر الإعلان كما طلب منه، تسليمه نسخة منه.
في صباح الخامس عشر من أكتوبر، تقدم مفتش الشرطة أمام مسؤوليه المباشرين بنسخة الإعلان. بعد وقت قصير، كان المفتش ورئيسه المباشر في مكتب رئيس الأمن الإقليمي. قدم المفتش تقريرًا شفويًا حول الطريقة التي حصل بها على نسخة الإعلان الذي ستنشره الصحيفة للشركة الليبية. استدعى العميد الإقليمي رئيس الشرطة القضائية والعميد المركزي، وبحضور المفتش الذي رصد تحرك العصابة في طنجة، عُقد اجتماع تقرر خلاله وضع مراقبة على مدار الساعة حول العنوان الذي ورد في الإعلان.
كانت التعليمات تقول إن كل تدخل يجب أن يمكن من ضبط أفراد العصابة في حالة تلبس. صار أربعة مفتشين من المعروفين بخبرتهم يتناوبون على مراقبة المكان كل ست ساعات وعلى مدار الساعة. تم نشر الإعلان في الصحيفة الجهوية، وتقاطر عشرات من المرشحين على المقر الذي اختاره أفراد العصابة. تم قبول 50 شخصًا، جميعهم أعلنوا استعدادهم لدفع ثمن تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا إلى ليبيا.
كان الخامس من نوفمبر موعدًا للدفع. ما إن خرج الزبون الأول حتى التقطه أربعة من رجال الشرطة وأدخلوه سيارة كانت مستوقفة غير بعيد. علموا منه أنه دفع ثمن بطاقة السفر بالطائرة ذهابًا وإيابًا من الدار البيضاء إلى طرابلس. قال إنه أبرم العقد، وأنه لم يتبقَّ له الآن إلا تقديم الشهادة الطبية.
تحركت العصابة للمرة الثالثة وفق سيناريو مماثل لتحركها في أكادير ثم في وجدة...
...يتبع

Comments
Post a Comment