ملفات بوليسية: العميد والصعلوك - الجزء الأول
ملفات بوليسية: العميد والصعلوك - الجزء الأول
في هذه القصة، يتقاطع مساران متناقضان: مسار رجلين من بيئتين مختلفتين. الأول شاب اسمه أحمد الصانوطي كان طالبًا نبيهًا مجدًا في دراسته. تمكن من الحصول على الإجازة في الاقتصاد من كلية الحقوق، شعبة العلوم الاقتصادية بالدار البيضاء. ولما كانت الظروف مواتية في منتصف السبعينات من القرن الماضي، فقد تمكن في السنة ذاتها من الحصول على إجازة أخرى، وكانت هذه المرة في العلوم القانونية. في العام 1975، التحق أحمد السانوطي بأسلاك الشرطة برتبة عميد، وتم تعيينه بالأمن الإقليمي بالرباط. أبدى العميد الشاب منذ الأيام الأولى لممارسته مهامه جدًا وسرمة في تعقب المجرمين. كان السانوطي مديد القامة قوي البنية، يبدو وكأن أطرافه السفلى تكاد تنثني لفرط وزن الجزء الأعلى من جسمه. كان بساقيه عوج، وكان العرج غير واضح تمامًا يطبع مشيته. ولذلك، لقب بالعميد "الأعوج". لم يكن أحد يجرؤ على الجهر بها، ولكن الجميع متفقون على أن العميد الأعوج هو العميد أحمد الصانوطي.
الرجل الثاني، وقد عُرف باسم "الغريب" لسبب غير معلوم، وُلد الغريب في نواحي مدينة فاس ربما في العام 1935. كان قوي البنية، خشنًا، لم يتعلم وكان عنيفًا. كان فحاشًا عدوانيًا. كان الغريب يمضي أيامه في رعي الغنم. ذات يوم، ساق غنمه إلى أطراف القرية، وفجأة وقع بصره على رجل وامرأة تحت شجرة. تحركت في الغريب غريزة العدوانية، فاقترب من الشابين وأراد أن يأخذ الفتاة عنوة. ولكن خليلها تدخل، واشتبك الشابان. تمكنت الفتاة من الفرار. كان الغريب مسلحًا بعصا غليظة، فأخرج خصمه سكينًا، وأصاب الغريب في ركبته. كان الجرح غائرًا لفرط الألم. أخذ الغريب حجرًا كبيرًا وضرب خصمه على رأسه، فمات الشاب بعد لحظات. حاول الغريب الفرار، لكن النجدة التي استدعتها الفتاة بعد هروبها لحقت به. بعد عام ونصف، حكم عليه بالسجن ثلاثين عامًا. نُقل من سجن عين قادوس بفاس إلى السجن المركزي بالقنيطرة. بعد ستة عشر عامًا، أُفرج عن الغريب. لم يقض من مدة العقوبة الحبسية سوى النصف. عليه الآن أن يبحث عن مدينة يستقر فيها. لا سبيل أمامه للعودة إلى قريته في نواحي مدينة فاس. قصد إلى مدينة سلا، في فندق السوق الكبير، أكثر بقعة من مترين مربعين يأوي إليها كل من حل المساء. تمكن من الاندماج بسرعة في وسط المتشردين والمتسولين ومن لا منزل لهم.
سخر المبلغ البسيط من المال الذي حصل عليه يوم غادر السجن في الاتجار في أشياء مختلفة. كان يفرض وجوده بقوة عضلاته. انتهت الأقدار بصاحبنا الغريب إلى حي الملاح في الرباط. هناك شغله تاجر يهودي الديانة لحمايته وحراسة متجر الأثاث المستعمل الذي كان يملكه. شاع في الملاح أن الغريب قضى سنوات في السجن لأنه قتل رجلًا في العام 1973. كان تاجر اليهودي في جملة من رحلوا عن المغرب إلى إسرائيل، وقبل أن يرحل فوت للغريب المتجر وما كان فيه من بضاعة لقاء ثمن بخس. ذات يوم، ولم يكن الغريب قد شعر ربما أن سنوات العمر صارت تثقل كاهله وتنقص من قوته، اشتبك مع أحدهم. يومها، أصيب بكسر في ركبته، كسر أورثه عرجًا ظل يلازمه وصار يعرف بالغريب "الأعرج".
في العام 1985، عقد رئيس الأمن بالرباط اجتماعًا مع وكيل الملك، خصص هذا الاجتماع لبحث اتساع ظاهرة إصدار شيكات بدون رصيد. انتهى الاجتماع باتخاذ قرار يقضي بإحداث خلية بالمحكمة الابتدائية بالرباط، تشارك فيها إدارة الأمن بفريق على رأسه العميد أحمد السانوطي، العميد "الأعوج" الذي تولى انتقاء أعضاء فرقته، سوى عضو واحد هو المفتش المختار النادي. كان العميد السانوطي ينعته بـ"الغبي"، سنلتقي هذا الضابط في مرحلة لاحقة.
ما إن اكتمل تشكيل الخلية حتى انكب العميد السانوطي على دراسة وتتبع الملفات التي تسلمها من وكيل الملك بمحكمة الرباط. وضع خطة عمل ملزمة له ولمساعديه. بعد أيام، سيكتشف العميد أن المهمة التي أوكلت إليه لم تكن بالمهمة اليسيرة كما تصور. تبين لعميدنا أن معظم الشيكات بدون رصيد التي انتهت إليه هي لتجار يتعاملون في مختلف جهات المملكة، وكثير منهم من كبار التجار والمقاولين المعروفين. بين تلك الملفات أيضًا ملفات تخص موظفين ومستخدمين. لم يلقِ صعوبة كبرى في الوصول إلى كبار التجار، وكان منهم من يبرر عدم تسديد قيمة الشيك بكونه ينتظر أن يتوصل بمستحقات له من زبائن، منهم في بعض الحالات الإدارات العمومية. لم يكن بمقدوره أن يمضي بعيدًا، فهو لا يستطيع توقيف أي من التجار الكبار دون العودة إلى وكيل الملك. كانوا يمنحون مهلة قبل كل إجراء ضدهم، وكثيرًا ما أوفوا بالتزامهم.
في حي الملاح بالرباط، لم يعد الغريب الأعرج يعتمد قوة بدنه لإثبات حضوره. فالكسر الذي أصاب ركبته جعله يهدأ، واستعاض عن طاقته الجسمية باستعمال ما لديه من ذكاء. وقد نجح في تطوير تجارته. بل صار يجرؤ الآن على دخول المناقصات والمزايدات والعروض المختلفة. كان لا يمر أسبوع دون أن يظفر بصفقة. كبرت ثروة الغريب وصار اسمًا يحسب له حسابه بين التجار.
ذات صباح، تقدم أحد المحامين لدى وكيل الملك بشكوى ضد الغريب الأعرج لإصداره شيكًا بدون رصيد لأحد التجار. وحُوِّل الموضوع إلى الخلية التي أُحدثت بمحكمة الرباط. كان طبيعيًا أن يُستدعى من أصدر الشيك، أي الغريب الأعرج. لما مثل أمام العميد السانوطي، بدا رجلاً مغرورًا بثروته وتجارته. أنكر على العميد استدعاءه، وقال إنه ليس الوحيد الذي أصدر شيكات بلا رصيد. كاد الأمر يتحول إلى نزاع شخصي بين العميد والغريب. كان العميد السانوطي يستحضر في تلك اللحظات القوة المالية التي يملكها الغريب الأعرج. قال الغريب إنه بدوره دائن لعدة أشخاص، وإن لديه شيكات تفوق قيمتها 100 مليون سنتيم. وفيما يشبه التحدي، قال للعميد: "إن شئت، بعتك تلك الشيكات بنصف قيمتها". كان الغريب مطالبًا بدفع قيمة الشيك، وهي مئة ألف درهم.
انتهت تلك المقابلة الأولى بين العميد "الأعوج" والغريب "الأعرج" باتفاق على مهلة من عشرة أيام لتسديد مبلغ الشيك. في اليوم الأخير من المهلة، وكان يوم الجمعة في الخامسة مساءً، حضر الغريب الأعرج إلى مكتب العميد. كان معه المبلغ المطلوب. توجه إلى صندوق المحكمة، فرفض الموظف استخلاص المبلغ لأن الصندوق قد أغلق. توصل العميد بعد استشارة وكيل الملك إلى حل يقضي بأن يتسلم المبلغ من الغريب الأعرج، وأن يحتفظ به في صندوقه إلى يوم الاثنين، ليدفعه في الصندوق. غادر الغريب بناية محكمة الابتدائية، ولكن العميد السانوطي ظل يفكر في هذا الرجل الذي تمكن من أن يتحول من إلى تاجر كبير له من العلاقات ما يجعله يتطاول حتى على عميد للشرطة.
انصرف تفكير العميد دون تمهيد أو مقدمات من مسار الغريب الأعرج إلى الشيكات بدون رصيد التي يحتفظ بها، والتي قال إنه مستعد لبيعها بنصف قيمتها. في الغد، يوم السبت، قرر العميد السانوطي زيارة الغريب الأعرج في محل تجارته. تظاهر بالتجول في السوق، وحرص على أن يلتقي الغريب وجهًا لوجه. وكذلك كان. دعاه الغريب الأعرج إلى الدخول إلى محله. تحادثا في أمور التجارة. وجه العميد مسار الحديث إلى موضوع الشيكات بدون رصيد التي قال الغريب إنها بحوزته، وتفوق قيمتها مجتمعة 100 مليون سنتيم. سأل العميد إن كان جادًا في عرضه، أن يبيع تلك الشيكات بنصف قيمتها. أجاب الغريب أنه جاد. عندئذٍ دخل العميد مع الرجل في صلب الموضوع. عرض أن يشتري منه الشيكات على أن يتم ذلك بمراحل، وأن يدعه ينتقي منها التي يشتري أولاً، وأن يدفع قيمتها على أقساط. وافق الغريب.
في المساء، جاء العميد إلى محل الغريب الأعرج، ومعه عشرة ملايين سنتيم. جاء بالمبلغ من مكتبه، وسلمه للغريب، وتسلّم مجموعة من الشيكات قيمتها 20 مليون سنتيم. اشتراها بنصف قيمتها ذلك المساء. وخشية أن يفتضح أمره، قصد العميد منازل عدد من أصحاب الشيكات الذين لم يكن يخامره شك في أنهم سيدفعون فورًا. ترك لكل واحد منهم استدعاء للحضور إلى مكتبه صباح الاثنين. أغلب من استدعاهم حضروا في الموعد. وما كاد ينتصف الصبح حتى كان قد حصل على مبلغ يفوق العشرة ملايين سنتيم التي كان عليه أن يدفعها في صندوق المحكمة. نجحت المغامرة. صارت الآفاق أرحب الآن في وجه العميد الحازم، العميد "الأعوج". كانت تلك المغامرة بداية لعلاقات حميمة ستجمعه بالغريب الأعرج.
يتبع...

Comments
Post a Comment