ملفات بوليسية: العميد والصعلوك - الجزء الثاني والأخير
ملفات بوليسية: العميد والصعلوك - الجزء الثاني والأخير
صدفة التقت مساري العميد أحمد السانوطي، الملقب بالعميد الأعوج، والغريب الأعوج الذي قضى 16 عامًا في السجن لإدانته في جريمة قتل بنواحي فاس. رأينا في الحلقة السابقة كيف استطاع الغريب أن يتحول إلى تاجر كبير له مكانته بين تجار الرباط. الصدفة جمعت الرجلين، فقد تم استدعاء الغريب الأعوج إلى محكمة الاستئناف في قضية شيك بدون رصيد بقيمة مئة ألف درهم. استغرب أن يتم استدعاؤه، فهو يملك من الشيكات غير المستخلصة ما تزيد قيمتها على 100 مليون سنتيم. قال إنه مستعد لبيعها بنصف قيمتها.
أقنع العميد الأعوج الغريب الأعوج ببيع الشيكات، وانتقى منها في الدفعة الأولى ما قيمته 20 مليون سنتيم، واشتراها بعشرة ملايين، المبلغ الذي كان الغريب الأعوج نفسه قد أودعه لديه لتسوية قضية الشيك بدون رصيد في انتظار يوم الاثنين لدفع المبلغ في صندوق المحكمة. قضى العميد الأعوج نهاية الأسبوع يبحث عن عناوين أصحاب الشيكات التي اشتراها، واستدعاهم للمثول أمامه يوم الاثنين. ما كاد ينتصف النهار حتى كان قد استخلص المبلغ الذي وظفه في شراء الشيكات. بدا أن العملية مربحة وتستحق المغامرة. منذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين العميد السانوطي الأعوج والغريب الأعوج.
تمكن العميد الأعوج من الحصول على مبالغ مالية محترمة من الشيكات بدون رصيد التي كان يشتريها من الغريب الأعوج بنصف قيمتها. ثم لاحقًا صار متخصصًا في قضايا الشيكات بدون رصيد، يشتريها من الصادرين لها بثمن يقل عن قيمتها، ثم يتولى التحصيل من موقعه كرئيس للخلايا المكلفة بمشاكل الشيكات بلا رصيد التي تم إحداثها في المحكمة الابتدائية بالرباط. سخر العميد السانوطي علاقته بالغريب التي توطدت، فجعله يشركه في عدة صفقات عادت عليهما بأرباح هامة. صار معروفًا لدى الخاص والعام العلاقة الوثيقة التي تربط العميد الأعوج بالغريب الأعوج. وهذا أمر لم يرق كثيرًا لرؤساء العميد السانوطي.
استدعى رئيس الأمن الإقليمي العميد، كما طلب حضور المسؤول عن قسم الموظفين. مثل العميد الأعوج أمام رئيسه وكان رئيس الأمن الإقليمي وراء مكتبه على كرسي وثير. خاطب العميد السانوطي بنبرة فيها الكثير من الحدة والصرامة، اتهمه بالتلاعب في كثير من ملفات الشيكات بدون رصيد، وخلص إلى أنه سيعد ملفًا متكاملاً حول كل ذلك لتقديمه إلى اللجنة التأديبية. كان العميد واقفًا بانضباط كبير، ولما أنهى رئيس الأمن كلامه، ودون أن ينتظر منه إذنًا، جلس العميد الأعوج على الأريكة المقابلة. أدهش ذلك التصرف رئيس الأمن.
قال العميد الأعوج: "سيدي، سأختصر لك المسافة. ما أقوم به ليس سرقة ولا تلاعبًا. وكي لا أطيل، ها هي استقالتي"، وأخرج من جيبه رسالة الاستقالة. كان رئيس الأمن مشدوهًا. منذ تلك اللحظة تفرغ العميد الأعوج للأعمال التجارية، ووسع شراكته مع الغريب الأعوج وتمكن معًا من توسيع أنشطتهما. غير أن تلك العلاقة الحميمة كانت تصطدم دائمًا بسلوك الغريب الأعوج، الذي لا يستطيع التماسك حين يتعلق الأمر بامرأة أو غلام، وهو ما جعل متجره يتحول إلى مرتع حقيقي لبائعات الهوى. لم يكن ذلك من الأمور التي تروق لأحمد السانوطي.
ذات مرة تطور النقاش بينهما إلى مشادة كلامية سمعها تجار، وقال العميد السابق إنه سيتواعد مع الغريب بالقتل إذا لم يبدل سلوكه. بعد ذلك اختفى الغريب الأعوج عن الأنظار لأربعة أيام. تسربت من منزله رائحة كريهة أقلقت السكان الذين أبلغوا عن ذلك. حضرت الشرطة وبأمر من وكيل الملك تم اقتحام الشقة. في غرفة النوم على الأرض كانت ملقاة جثة الغريب الأعوج، بدأت تتحلل. الطبيب الذي عاين الجثة قال إن الرجل مات منذ عدة أيام بسبب إصابته بسكين على مستوى القلب. تم نقل الجثة إلى مستودع الأموات لفحص أكثر دقة.
كان المكلف بالتحري في هذه القضية الضابط المختار النادي، وكان من بين مرؤوسي العميد الأعوج، الذي كان لا ينفك ينعته بالبليد. بدا الضابط وكأنه عثر على الفرصة المواتية للانتقام من رئيسه السابق. فبشكل من الأشكال، كان للرجل صلة بمقتل الغريب الأعوج. هكذا خمن الضابط المختار النادي أثناء تفتيشه الشقة. بالقرب من الجثة عثر على السكين، أداة الجريمة، وكانت ملطخة بالدم. وغير بعيد، عثر على محفظة نقود تبين أنها للهالك، وكانت تحتوي على عدد من الشيكات لصالح الغريب.
لم يتم اكتشاف أثر للكسر. لم يكن هناك من منفذ سوى نافذة تفضي إلى المنزل من المحل التجاري المشترك بين سانوطي والغريب. حين استجواب بعض التجار والسكان، علم الضابط المختار النادي أن مشادة كلامية وقعت مؤخرًا بين الشريكين. وقال بعضهم إنه سمع العميد الأعوج يهدد شريكه الغريب الأعوج بالقتل. نقل الضابط إلى وكيل الملك ما توصل إليه من خلال أقوال من استجوبهم، وقدم الاستنتاج بأن السانوطي هو الفاعل على الأرجح. صدر الأمر باعتقال العميد السابق والتحقيق معه.
كان دافع الانتقام يحرك الضابط الذي أسرع باعتقال رئيسه السابق وساقه إلى المفوضية. أثناء استجوابه لم يترك للظنين فرصة للرد. قال إنه سيسوقه إلى حبل المشنقة لأن الشهود سمعوه يهدد الهالك بالقتل، كما أن الشقة كانت مغلقة من الداخل وأن المفتاح محجوز لديه الآن. رد العميد السابق بأنه سوف يستطيع إثبات براءته من كل هذه التهم وسيبين أنها أقيمت على أسس واهية. قال إن وجود المفتاح في الباب من داخل الشقة لا يعني أن الجاني لم يدخل ولم يخرج من تلك الباب.
عندما نظر إلى المفتاح المحجوز، لاحظ أنه منقوص من مقدمته، ولابد أن يكون وراء ذلك سبب. أبقى الضابط على رئيسه السابق رهن الاعتقال الاحتياطي، وقصد صانع مفاتيح وطلب منه تفسيرًا للقطع الذي تعرضت له مقدمة المفتاح. قال الرجل إن ذلك المفتاح أعد ليمكن من فتح وإغلاق الأقفال، ولو كان في الجانب الآخر منها مفتاح آخر.
أقر الضابط بدالة تجربته أمام خبرة رئيسه السابق. ولذلك، رجاه أن يساعده على فك لغز مقتل الغريب الأعوج. ضمن الأشياء التي تم العثور عليها بالقرب من جثة الغريب محفظة نقوده، وقد رأينا أنها كانت تضم عددًا من الشيكات باسم الغريب. قال العميد الأعوج إن صاحبه أخبره ذات مرة بأن تلك الشيكات التي معه ليست سوى نسخ ملونة عن النسخ الأصلية، فإنه يخفيها في مكان قال إنك تمر عليه عدة مرات في اليوم دون أن تصل إليها.
بدأ العميد السابق وكأنه استأنف مهامه. ها هو يعلم مرؤوسه السابق أبجديات التحري. قال له عليه أن يتصل بالطبيب الشرعي عله يبلغه بما يفيد التحقيق في المشرحة. أبلغه الطبيب بأن شعيرات تم العثور عليها في كف الهالك. بما أن الضابط المختار النادي جعل من رئيسه السابق ضمينًا، فإن العميد السابق قال له أن يأخذ من رأسه شعيرات ويبعث بها مع تلك التي عثر عليها في كف الهالك إلى المختبر لمقارنتها.
بعد ذلك، توجه إلى بيت الغريب. كان يتعين العثور على الشيكات الأصلية ومقارنتها بالنسخ التي عثر عليها. بحثا في كل مكان دون جدوى. لاحظ العميد أن المكان الوحيد الذي مر أمامه عدة مرات هو المرحاض. بداخله لم يتم العثور على أي شيء، ولكن فضول العميد السابق دفعه إلى الضغط على زر خزان الماء. لم يكن هناك ماء، فتح الخزان. بالداخل عثر على كيس بلاستيكي مغلق بإحكام. بداخله كانت الشيكات الأصلية.
بعد عودتهما إلى المفوضية، سارعا بوضع كل شيك أصلي مع نسخته الملونة. بقي لديهما شيك واحد لا نسخة له، الشيك الذي بقي أصدرته سيدة لفائدة الغريب. كانت امرأة تاجر معروف في مدينة سلا، وكانت من زبائن الغريب الأعوج، تشتري منه الأثواب بالجملة. نصح العميد السابق الضابط النادي بجمع أكبر قدر من المعلومات حول المرأة قبل استدعائها.
علم أنها أرملة، إطار سابق في وزارة الفلاحة، مات في حادثة سير بعد حصولها على تعويض من شركة التأمين، ثم فتحت متجرًا لبيع الأثواب في سلا. قبل استدعائها تلقى الضابط مكالمة هاتفية من مختبر الشرطة أكد فيها أن الشعيرات التي كانت في كف القتيل لا صلة لها بتلك التي تم العثور عليها في رأس أحمد السانوطي. سار العميد السابق الآن يتوفر على ما يثبت براءته، وحصل على إذن من وكيل الملك لزيارة صاحبة الشيك في بيتها. رافق العميد السابق الضابط النادي، فاجأت المرأة زيارتهما.
عندما سئلت عن علاقتها بالغريب الأعوج، قالت إنها كانت من زبائنه تشتري منه الأثواب وتسدد الثمن على أقساط. قالت إنها دفعت له قبل أيام آخر ما كان مترتبًا بذمتها، وأنها استرجعت آخر شيك لها كان بحوزته. ارتبكت عندما سألها الضابط عن زيارتها له في منزله. همس العميد السابق للضابط أن يفتش المكان ويبحث عن مفتاح شقة الغريب. لم تكن مهمة ص
عبة، إذ ما لبث أن عثر على مفتاح شبيه بذلك الذي تم حجزه. طلب منها أن ترافقهما إلى المفوضية. أثناء الطريق، مروا على شقة الغريب الأعوج، جرب المفتاح، فتح الباب، وفي المفوضية انتقلت المرأة للاعتراف.
قالت إنها كانت تشتري الأثواب من الغريب الأعوج، وكانت تدفع له شيكًا بقيمة البضاعة وتسدد المبلغ على أقساط. وحين تكمل الأداء، يسترد الشيك. لكن في المرة الأخيرة، رفض الغريب أن يعيد إليها الشيك، وظل يراودها عن نفسها. كانت تتمنع وهو يهددها بتقديم الشيك ومتابعتها. قالت إنها علمت أن الغريب لم يكن ينام إلا بعد أن يكون قد شرب كميات كبيرة من الخمر. ذات مرة قالت إنها وعدته بأن تأتيه ليلاً، كانت تنوي أن تستغل حالته السكرية لتأخذ شيكها وتنصرف. سلمها مفتاح الشقة، ولكنها يوم جاءت، وجدت الباب مغلقًا من الداخل. تمكنت من الحصول على مفتاح معدل لدى صانع مفاتيح في الدار البيضاء. في الليلة التي دخلت فيها عليه الشقة، كان يغط في نوم عميق. كانت محفظة نقوده تحت الوسادة، ما إن همت بأخذها حتى أفاق، حاولت أن تهرب منه ولكنه لاحقها.
قالت إنه أشهر سكينًا في وجهها، قاومته وتمكنت من تحويل وجه السكين، تعثر الأعوج فانغرس السكين في صدره. لم يمض وقت طويل حتى فارق الحياة. بعدها قالت: "فتحت محفظة النقود وأخذت منها شيكي، أغلقت الباب، وفور اضطراب، أخذت المفتاح الذي كان في القفل ووضعت مكانه مفتاحي المعدل." لاعتبارات عدة، تم تكييف القضية في إطار الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه. وأسدل الستار على قصة رجل اسمه الغريب الأعوج.

Comments
Post a Comment