ملفات بوليسية: حفّار الآبار
ملفات بوليسية: حفّار الآبار
تقع قرية أمرزجان على بعد كيلومترات من ورزازات،
وقد اشتهر رجالها بقدرتهم على التحمل وإنجاز الأشغال الشاقة، وفي جملتها حفر الآبار.
في العام 1979، قامت إحدى المقاولات المتخصصة في حفر الآبار باستقدام عاملين من قرية
أمرزجان، أحدهما علي آيت عيسى ويبلغ من العمر 22 عامًا، أما الثاني فاسمه عبد الرحمن
مرزوق ويكبره بسنة واحدة، وكان في ربيعه الثالث والعشرين.
كان كلا الشابين لم يتلقيا من التعليم سوى ما حصلاه
خلال سنتين أو دون ذلك، وكانا يترددان في تلك الفترة على كتاب القرية. عهد صاحب المقاولة
إلى الشابين بحفر بئر في واحة النخيل في إقامة أحد الأثرياء، وكان ينوي تسخير مياه
البئر في سقي حديقته. وقد استطاع الشابان علي وعبد الرحمن إنجاز العمل المطلوب منهما
قبل انتهاء المدة المحددة لذلك، وهو ما أسعد صاحب الإقامة الذي منحهما مكافأة مالية
سخية.
توالت المهام التي كان يعهد بها صاحب المقاولة إلى
الشابين في السنوات الثلاث التي قضياها في خدمته. وتمكنا من حفر ما يقرب من 30 بئرًا،
تراوحت أعماقها بين عشرين وخمسين مترًا، بل إن بعضها زاد عن عمقه 50 مترًا. خلال تلك
السنوات، راكم علي وعبد الرحمن خبرة لا يستهان بها، كما أنهما استطاعا أن ينسجا شبكة
علاقات مع الزبائن. تجدر الإشارة إلى أن صاحب المقاولة، الذي لم يكن يملك سوى معدات
بسيطة لرفع الأتربة من الآبار أثناء الحفر، كان يجني مداخيل محترمة، بينما لا يرقى
أجرهما إلى مستوى الحد الأدنى للأجور.
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شهدت البلاد حالة
جفاف. وقد قرر الشابان الانفصال عن المقاول ومراجعة علاقتهما به، إذ تعاقدا معه على
أن يكون أجرهما سعرًا معلومًا للمتر المكعب من الأتربة التي يتم استخراجها. زاد دخل
الشابين، وصارت تراودهم فكرة إنشاء شركة خاصة بهما. تيسرت لهما الفرصة حينما قاما بحفر
بئر في منزل رجل ساعدهما على تأسيس الشركة. كان مدخراهما يتيح لهما شراء معدات العمل،
كما اشتريا شاحنة صغيرة لتسخيرها في نقل العتاد.
اتسعت دائرة عملهما فكان لهما زبائن في مراكش وأكادير
والدار البيضاء. كانت أسعار حفر الآبار في الدار البيضاء ومحيطها أكثر إغراءً، ولذلك
قرر أبناء قرية أمرزجان الاستقرار هناك. استأجروا بيتًا في حي شعبي على أمل شراء منزل
في منطقة لا تكون فيها أسعار العقار مرتفعة.
بعد سنتين قضياها في الدار البيضاء، وقد بدأ العمر
يتقدم بهما نحو الثلاثين، قرر الشابان العودة إلى قريتهما في أطراف ورزازات وانتقاء
شابتين للزواج، خاصة أنه لم يعد لديهما الآن مشكلة للسكن، إذ اشتريا منزلًا من طابقين
في أواخر صيف العام 1986.
عاد عبد الرحمن مرزوق وعلي آيت عيسى إلى الدار البيضاء،
مع كل منهما زوجته الشابة. استقر عبد الرحمن وزوجته مسعوده آيت حدو في الطابق الأرضي،
بينما اتخذ علي وزوجته حليمة الفاتح من الطابق العلوي مسكنًا. مرت السنوات، وكان الرجلان
يخرجان كل صباح معًا يبحثان عن صفقات جديدة أو لإنجاز أعمال في عهدتهما. رزق علي بثلاثة
أطفال ولم ينجب عبد الرحمن الذي، بعد أن تردد على أكثر من طبيب، أيقن أنه مصاب بالعقم.
بعد بضع سنوات، صار الطابق الأول يعج بخمسة أطفال،
فضلاً عن والدهم علي وأمهم حليمة. كانت المرأة تفني أيامها في خدمة الزوج والأطفال،
وكانت أشغال البيت ترهقها، حتى إذا جن المساء، نامت حيثما غلبها النوم. عندما يعود
علي إلى البيت يجد زوجته وقد نامت وسط أطفالها الخمسة.
كان ذلك يزعجه في بعض الأحيان. وفي إحدى المرات،
عاد باكرًا ليجد في البيت مع حليمة زوجة شريكه عبد الرحمن، وكانت مسعوده تبدو وكأنها
لم تفقد شيئًا من نضارة الشباب. لم يكن لها من شغل سوى إسعاد زوجها، وكانت علامات السعادة
ظاهرة على محيا عبد الرحمن.
كان علي كثيرًا ما يقارن بين زوجته حليمة أم أطفاله
الخمسة، ومسعوده زوجة عبد الرحمن. كانت الأولى قد نبذت منذ سنوات الاعتناء بنفسها،
بينما كانت الثانية أنيقة في نضارتها. ولما تكررت لدى علي نوبات المقارنة بين حليمة
ومسعوده، وقع من حيث لا يدري في حب مسعوده. لم يكن رجلًا يجري وراء شهواته في الشارع،
لكنه وجد الآن في نفسه إحساسًا جارفا يدفعه إلى مسعوده.
حلل تاجرًا وابن قريته صار يفكر الآن في الطريقة
التي توصله إلى مسعوده. خلص إلى أن الوصول إلى من أخذت قلبه وعقله معًا يمر عبر التخلص
من عبد الرحمن. خطط للتخلص منه دون أن يترك أثرًا يقوده إليه. من الدروس التي تعلمها
من مهنته في حفر الآبار، أنه يعلم أن الأوكسجين يقل عند أعماق محددة، وأنه لا يكون
بمقدور العامل البقاء في البئر أكثر من ساعة واحدة.
في تلك الأيام، كان عبد الرحمن وعلي يتوليان حفر
بئر في الدار البيضاء. كان يتناوبان، مرة ينزل عبد الرحمن إلى قاع البئر للحفر، ومرة
علي. كان على من ينزل إلى القاع أن يسحب معه قنينة أوكسجين، وألا يمكث أكثر من ساعة.
قلب علي في مخيلته تلك المعطيات، فراها تتيح له القيام بجريمة كاملة.
اعتقد كذلك، وقرر أن يتخلص من صاحبه في الغد عندما
يكون دور عبد الرحمن في الحفر. وبعد أن مرت ساعة، أباطأ علي في تزويد صديقه بالأوكسجين،
بل إنه قام بتنزيل أنبوب إلى البئر وربطه بعادم السيارة. أدار المحرك، كان غاز ثاني
أكسيد الكربون يتدفق إلى البئر. بعد لحظات، لم يعد يسمع حركة لصديقه. انتظر نحو ساعة
أخرى، ثم أخرج الأنبوب الذي كان قد ربطه بعادم السيارة ودفنه في مكان قريب. ثم بعد
ذلك فقط اتصل بالوقاية المدنية.
بحضور الشرطة، تم إخراج جثة عبد الرحمن من البئر.
كان واضحًا أن الرجل مات مختنقًا لانعدام الأوكسجين. تلقت مسعوده الخبر المفاجئ. تم
دفن عبد الرحمن. صار علي يرى مسعوده الآن في متناول يده.
سعى في البداية إلى إقناع زوجته حليمة بضرورة الإبقاء
على البيت المشترك. قال لزوجته إنه سيكون ملزمًا بدفع نصف ما يحصل عليه من مداخيل إلى
أرملة عبد الرحمن، وأن ذلك سيعني تراجعًا في مستوى المعيشة خلال الأشهر الأولى. أظهر
بالملموس لزوجته حليمة أن تقاسم الدخل يعني تدهورًا في مستوى حياة أسرته. كما سعى إلى
إقناعها بأن بقاء مسعود وحيدة يطرح في حد ذاته مشكلة.
بالتدريج، جعل علي زوجته حليمة تتقبل فكرة زواجه
من مسعوده. بل إنه جعلها تدفعه إلى الزواج منها. كانت لها دوافعها الخاصة، فزوجها علي
كان كثير الخصام، لأنها لم تكن تخلو له بسبب كثرة أشغالها. ما إن انتهت عدة مسعوده
حتى فاتحها فيما كان يريده.
لم ترد طلبه، كانت ترى في الزواج من علي حماية لها.
مرت شهور، وعلي يلعب بمسعوده، ومسعوده الطيبة الجميلة لا تدخر جهدًا في إسعاده كل يوم
أكثر. وكانت إلى ذلك لا تتردد في مساعدة حليمة على تحمل الأعباء الملقاة على عاتقها.
طمحت مسعوده إلى التعلم ومحو أميتها، ولذلك سجلت
نفسها في دروس محو الأمية التي كانت تقدمها إحدى الجمعيات. في تلك الفترة، حدث ما لم
يكن يتوقعه علي. فقد حضر من قرية أمرزجان شقيق الهالك عبد الرحمن، اسمه سعيد مرزوق.
وقد جاء يطالب بنصيبه في الإرث الذي خلفه شقيقه، وهو المنزل الذي يسكنه علي وزوجته
وأبناؤه.
كان الرجل ضيفًا ثقيلاً. أصر على الإقامة في الشقة
التي كان يسكنها شقيقه الهالك. بل إنه لم يتردد أكثر من مرة في تعيير أرملة شقيقه بزواجها
من علي. كان يتهمها بأنها نسيت بسرعة كل السنوات التي قضتها معه.
أبلغت مسعود زوجها علي بما يقوله سعيد شقيق زوجها
السابق. كانت غاضبة، أغضبت علي الذي قال بالحرف: "إذا لم يتوقف فسوف أتخلص منه
هو أيضًا". تلقت مسعوده باستغراب ما قاله علي، ما لبثت أن كتمته. ما قاله علي
صار يثير لديها الكثير من الأسئلة: "هل قتل عبد الرحمن؟"
كان سعيد في تلك الأيام يعمل مع علي في حفر الآبار.
شغله في محاولة لإلهائه عن المطالبة بنصيبه في البيت. في الأيام التي تلت، كانت مسعوده
تحاول استفزاز علي، تؤجج كل يوم أكثر غضبه على سعيد، وتحاول الحصول منه على الكيفية
التي يريد التخلص بها منه.
ذات ليلة، قال لها إنه سيجعله يموت اختناقًا في
قاع البئر. كانت مسعوده قد أسرّت لإحدى المسؤولات عن الجمعية التي تقدم دروس محو الأمية
بالشكوك التي كانت تساورها حول تورط زوجها الحالي في قتل زوجها السابق عبد الرحمن.
ولما علمت أنه يريد قتل سعيد بأن يجعله يموت اختناقًا في قاع البئر، أبلغتها بذلك.
كانت مسؤولة الجمعية قد بلغت عميد الشرطة في الدائرة
بالموضوع. وُضع علي تحت المراقبة، وفي اليوم الذي كان قد حدده للتخلص من سعيد، أبلغت
الوقاية المدنية. كان سعيد بدوره قد أبلغ بما يدبره له علي. لما نزل سعيد إلى قاع البئر،
وكان عميد الشرطة يراقب من بعيد، غادر علي إلى أحد محلات بيع الأنابيب. أثناء غيابه،
نزل أحد رجال الوقاية المدنية وزود سعيدًا بقنينة أوكسجين.
عندما عاد علي، مد أنبوبًا ربطه بعادم السيارة إلى
داخل البئر، وأدار المحرك. تظاهر سعيد بأنه يطلب قنينة أوكسجين، ولم يلتفت إليه علي.
بعد ربع ساعة، أيقن علي أن سعيدًا قد مات. انتظر بعض الوقت ثم اتصل بالوقاية المدنية.
عندما حضرت، نزل أحد رجالها إلى قاع البئر، وعاد
ومعه سعيد. كان حيًّا. صعق علي لما أفاق، كان أمامه عميد الشرطة. نفس العميد الذي حضر
إخراج جثة عبد الرحمن قبل نحو سنة. لم يجد المحققون صعوبة تذكر وهم يستنطقون علي. اعترف
بكل شيء بعدما علم أنه خسر كل شيء.

Comments
Post a Comment