ملفات بوليسية: حلاق سمسار نصاب

ملفات بوليسية: حلاق سمسار نصاب


في الخامس والعشرين من مارس من العام، تلقى العميد الإقليمي رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالرباط تعليمات من الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف، يطلب منه استقبال السيد أحمد العرشي، مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد والمالية، الذي يسعى إلى تسجيل شكوى. ترقب العميد الإقليمي عمر المنشاوي وصول الموظف السامي لمعرفة موضوع الشكوى. لم يتأخر في الوصول، وكان العميد المنشاوي قد أوكل مهمة تتبع هذا الموضوع إلى الضابط الممتاز رشيد محمودات، وكان ضابطًا أثبت دائمًا كفاءته.

جاء في تصريح السيد أحمد العرشي أنه استقبل مساء أمس مواطنًا طلب مقابلته لغرض شخصي وسري. قال مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد والمالية إنه تردد قبل أن يوافق على استقبال الرجل، وأنه لما استقبله تم ذلك بحضور الكاتبة، وأن الرجل أبدى إلحاحًا على أن يكون اللقاء رأسًا لرأس، وأمام رفض طلبه بعد تضمينه بأن ما سيقوله سيظل طي السرية. قبل أن يتكلم، قال إنه يدعى علال المرغوب، وأنه الشاب الذي توسط لتشغيله الحلاق مصطفى الدمياطي. أوقفه المدير، فاجأه الموضوع فيما يبدو.

قال علال المرغوب إن لديه ولدًا شابًا مجازًا في الاقتصاد، وأنه علم من الحلاق الدمياطي أنه صديق قديم لمدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد، وأنه طلب منه التوسط له في ملف توظيف ولده. قال إن الحلاق تسلم منه لقاء ذلك عشرة آلاف درهم ولكنه لم يفي بوعده، وادعى أن ذلك المبلغ غير كافٍ. قال علال المرغوب إنما شجعه على ما سبق أن زبائن للحلاق الدمياطي أكدوا له زيارة المسؤول في وزارة المالية صالون الحلاق الدمياطي خلال الشهر الماضي، وأنه قال للحاضرين إنه صديق طفولته. في تصريحه أمام العميد الإقليمي عمر المنشاوي، قال السيد أحمد العرشي إنه أنهى مقابلته مع علال المرغوب بوعده بحل قريب لمشكلة ابنه.

كان على الضابط الممتاز رشيد محمودات أن يعد ملفًا متكاملاً حول الحلاق قبل أن يباشر المراحل التالية من التحريات. توجد لدى مصلحة الاستعلامات ملفات عن كل الحرفيين بحكم البحث الذي تجريه مصالح الأمن قبل تسليمهم الرخص. اكتشف أن المدعو مصطفى الدمياطي، وإن لم تكن لديه سوابق جنائية، فقد سبق أن كان موضوع شكايات عدة، غير أنه كان في كل مرة يتمكن بمكره من الإفلات من الإدانة. فقد كان مصطفى الدمياطي، فضلًا عن مهنته كحلاق، يعمل سمسارًا يتوسط في كراء المنازل وفي بيعها.

أدرك الضابط الممتاز رشيد محمودات أنه سيكون في مواجهة شخص سيحاول بكل الحيل التملص والإفلات. استمع الضابط إلى علال المرغوب، الذي قال إنه اعتاد على التردد على صالون الحلاق مصطفى الدمياطي لقربه من منزله ولأنه ملتقى لعدد من الأصدقاء والمتقاعدين. وذات مرة، في يوم من شهر مارس من العام 2000، أخبره الحلاق مصطفى أن صديقًا قديمًا له هو صديق طفولته زاره في الصالون، وأنه لم يكن قد التقاه منذ سنوات طويلة. قال الحلاق إن صديقه طفولته أصبح الآن مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد والمالية.

يحكي علال المرغوب أن ما قاله الحلاق صادف غصة في نفسه سببها ولده الحاصل على الإجازة في الاقتصاد والعاطل عن العمل، ولذلك بادره بالسؤال إن كان مستعدًا للتوسط لدى صديقه لتيسير توظيف ابنه العاطل، خاصة وأنه علم أن وزارة الاقتصاد بصدد توظيف الخريجين. وافق الحلاق على القيام بدور الوسيط، ولكنه سأل عما إذا كان مستعدًا للتضحية من أجل ولده. كان يعلم أن الرجل مستعد لكل ما سيطلبه منه، ولذلك يحكي علال أنه بعد أسبوع، أبلغه الحلاق بأنه بحاجة لشراء هدية محترمة لصديقه مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد حتى تنجح الوساطة ويتم توظيف الشاب.

قال علال المرغوب المتقاعد إنه اقترض عشرة آلاف درهم وكان المبلغ الذي حدده الحلاق وسلمه إليه لاحقًا. يقول علال إنه فطن إلى أن الحلاق رتب لحظة تسلمه المبلغ، وتم ذلك دون أي شاهد. بعد شهر، لم يتوصل علال بأي رد، ولما استفسر الحلاق، رد بأنه المدير أخذ المبلغ كله، وأنه لمح إلى أن العشرة آلاف درهم غير كافية، وأن على والد المرشح للتوظيف أن يدفع المزيد. لم يكن بمقدور علال المرغوب أن يدفع المزيد، فمنحته التقاعد التي يتقاضاها لا تكفيه حتى لتوفير الضروريات لأسرتته. ولذلك قال إنه طلب من الحلاق أن يعيد إليه ماله. منذ تلك اللحظة، صار الحلاق يراوغ، وذات يوم قال له إن المدير بوزارة الاقتصاد سوف يوظف ابنه العام القادم، وما عليه إلا أن ينتظر ويتحلى بالصبر.

لكن علال الذي لاحظ أن الحلاق لا يستقر على فكرة واحدة، أصر على استرداد العشرة آلاف درهم. ولذلك قصد الوزارة وطلب مقابلة شخصية مع السيد أحمد العرشي، مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد والمالية. أوهم الضابط الممتاز رشيد محمودات علال المرغوب بأنه سوف ينصب فخًا للمدير، وأن ذلك يقتضي تعاون الجميع، وخاصة الحلاق. أبلغه بأن الشرطة سوف تمنحه العشرة آلاف درهم الإضافية المطلوبة لتوظيف ابنه. اقتنع علال بالتعاون مع الشرطة، وتم تحديد موعد للقاء به في مكان سوف يعلمه في حينه، حيث سيتم تسليمه المبلغ الذي سيكون عليه أن يدفعه للحلاق الذي سيوضع تحت المراقبة. أكد الضابط أن الطريق للإيقاع بالمدير يمر عبر الحلاق مصطفى. تم الاتفاق على إبقاء الخطة طي الكتمان.

في اليوم المحدد، انتقل الضابط إلى حي النهضة، والتقى بعلال المرغوب غير بعيد عن طريق عكراش، وسلمه ظرفًا به عشرة آلاف درهم يتعين تسليمه للحلاق. سلمه الضابط أيضًا جهاز تسجيل وضعه في الجيب الأعلى من معطفه. كان الغرض أن يتم تسجيل الحوار الذي سيدور بين علال والحلاق. توجه علال إلى صالون الحلاق، وظل الضابط يراقبه من بعيد. لم يكن هناك، وكان على علال أن ينتظر. في حدود السابعة مساء، جاء مصطفى الحلاق، ووجد علال ينتظره. فاجأه بعرض عليه أن يسلمه عشرة آلاف درهم إضافية لإرضاء المدير في وزارة الاقتصاد وللتعجيل بتوظيف ولده. سر الحلاق لهذا العرض، ولكن علال أصر على أن يرافقه لتسليم المبلغ. غير أن الحلاق رد بأن تصرفًا كذلك لا يليق بمقام السيد أحمد العرشي.

كانت آلة التسجيل تلتقط كل الكلام. تظاهر علال بأنه استسلم وسلم الظرف لمصطفى الحلاق. كان الضابط يهم بالإطباق على الحلاق وبحوزته العشرة آلاف درهم لولا أن شيئًا لم يكن في الحسبان حدث. فقد اقتحمت امرأة صالون الحلاقة وهي تصرخ في وجه الحلاق تطالبه بأن يفي بوعده، وإلا فإنها ستطلب الشرطة. انتقع وجه الحلاق، حاول تهدئة المرأة، ولكنها واصلت صرخاتها، وقالت إنها تطالب بحق ابنتها التي ذهب بمستقبلها وتلاعب بشرفها. بدا الحلاق محرجًا، خاصة عندما هددت المرأة بمتابعته بتهمة اغتصاب ابنتها القاصر.

في تلك اللحظة، سلم الحلاق المرأة الظرف الذي بداخله العشرة آلاف درهم، والذي كان قد تسلمه قبل قليل من علال المرغوب. مع المرأة، خرج الحلاق إلى الخارج، وهو يعدها بأنه سيلحق بها بعد قليل. كان الضابط الممتاز رشيد محمودات يتابع الوقائع، وقد فوجئ بتسليم الحلاق المال للمرأة. اتصل برئيسه فكان الأمر بالتدخل وتوقيف المرأة قبل أن تبرح الصالون. تحرك الضابط وعدد من مساعديه الذين كانوا في الجوار، أوقفوا المرأة وطالبوها بتسليمه ما بيدها. ترددت، ثم بعد أن تأكدت أن الأمر يتعلق برجال شرطة، سلمته الظرف. سألها الضابط عن قصتها مع الحلاق، قالت إنه تلقى منها خمسة آلاف درهم مقابل تدخله لتشغيل ابنتها البالغة من العمر 17 عامًا في إحدى الشركات. ولما حضرت في الموعد الذي كان قد حدده لها لمرافقتها إلى إدارة الشركة، أخذها إلى شقة في حي النهضة وقام باغتصابها وافتضاضها.

قالت المرأة إنها ظلت حتى الآن تخفي الأمر عن زوجها والد البنت، خاصة وأن الحلاق وعد بالزواج منها. وجد الضابط نفسه الآن أمام قضيتين، وكان ضروريا إلقاء القبض على الحلاق مصطفى الدمياطي للاستماع إليه. اقتيد الجميع إلى مقر ولاية الأمن، ادعى الحلاق أنه إنما تلقى العشرة آلاف درهم من علال المرغوب على سبيل السلف، وكان ينوي صرف المبلغ في إصلاح الضرر الذي لحق بنت المرأة المشتكية. ولذلك سلمها الظرف فور وصولها إلى الصالون. ولكن الضابط محمودات قطع أمام الحلاق كل محاولة للتملص، حين أسمعه التسجيل الصوتي لحواره مع علال. اعترف الحلاق بأنه لا علاقة له بالسيد أحمد العرشي، مدير الشؤون العامة في وزارة الاقتصاد، وأن كل ما قاله كان من نسج خياله بغرض الحصول على المال لتسديد ديون تراكمت عليه. اعترف أيضًا باغتصاب الفتاة، وتم تقديمه إلى الوكيل العام للملك لمتابعته من أجل النصب والاغتصاب.

Comments

Popular posts from this blog

ملفات بوليسية: المضيفة والمهرب - الجزء الثاني والأخير

ملفات بوليسية – نهاية مأساوية

ملفات بوليسية: الغرام الأخير - الجزء الثاني والأخير