ملفات بوليسية: الهداوي واللصوص – الجزء الثاني والأخير
ملفات بوليسية: الهداوي واللصوص – الجزء الثاني والأخير
على مدى ثلاثة أيام، ظلَّ الرجلان اللذان نفَّذا عملية السطو على مجوهرات عبد الرحمن النحاس يتردَّدان على ضفة نهر أبي رقراق في محيط قنطرة مولاي الحسن، بحثًا عن تلك الحقيبة الجلدية التي ألقيا بها عندما كانت الشرطة تلاحق سيارتهما. كانت الحقيبة تحتوي على كل ما استوليا عليه تحت تهديد السلاح من حُليٍّ ذهبية نفيسة.
أثار تردُّدهما على ضفاف النهر انتباه هواة الصيد الذين يرتادون المكان، خصوصًا أولئك الذين ينبشون الوحل بحثًا عن الديدان التي يستخدمها الصيادون طُعمًا. لم ينتبه الرجلان إلى أنهما مراقَبان.
كانت الضابطة عائشة الحمادي، التي أوكِل إليها أمر الإشراف على مراقبتهما، تُبلغ محمد الزيات بأخبارهِما أولًا بأول. وكان رجالها يوافونها بكل التفاصيل، فتنقلها إلى رئيسها.
تبين للعميد أن وراء تردد الرجلين على ضفة أبي رقراق سرًّا قد يكون مفتاح حل اللغز المحير، الذي يمثله اختفاء المجوهرات المنسوبة إليهما. لم يكن العميد الزيات، بكل الخبرة التي راكمها في سلك الأمن الوطني، ليستسيغ أن يفلت المشتبه بهما من قبضة العدالة. كان شبه موقن بأنهما نفَّذا عملية السطو على تلك الجوهريّة في شارع علال بن عبد الله، لكنه لم يكن يملك دليل إثبات.
ذلك الدليل المفقود هو ما جعل نائب الوكيل العام للملك يُخلي سبيلهما.
بعد أن أعياهما تقليب الوحل والبحث بين الصخور، قررا التقرب من أولئك الذين يبحثون عن الديدان، علَّهم يظفرون منهم بمعلومة عن مآل الحقيبة.
غادر أحدهما المكان، امتطى سيارته، ثم مضى إلى المدينة حيث قصد محلًّا لبيع الحلويات، واشترى عددًا منها مع بعض قنينات المشروبات الغازية. بعد أقل من ساعة، عاد إلى ضفة النهر. بدون أي تمهيد، دعا الباحثين عن الديدان إلى تناول قطعة حلوى، وتظاهر هو ورفيقه بأنهما يريدان الكشف عن سر ترددهما على الضفة، زاعمَين أنهما أضاعا مفاتيح منزلهما في الرباط قبل ثلاثة أيام.
استدرج بعضَ مَن تحلَّقوا حول علبة الحلوى ليسألهم عن مَن غاب عن المكان يومها.
وببساطة، نطق أحدهم:
"الهداوي لم يظهر في المكان منذ ثلاثة أيام."
سأله أحد الرجلين:
"ومن هو الهداوي؟"
اقترب منه الذي تكلم وقال:
"إنه واحد منا، يعمل في جمع الديدان لبيعها للصيادين."
كان خلفه أحدهم، فابتسم ابتسامة عريضة كشفت عن فم كاد يخلو من الأسنان،
ثم قال:
"الهداوي، يا سيدي، رجل بدأ يتقدم به العمر، يعيش بيننا منذ عدة سنوات. إنه يسكن كوخًا بالقرب من ضريح سيدي موسى الدكالي."
سأله أحد اللصين:
"هل لك أن تدلنا على كوخه؟"
أجاب الرجل:
"إنه لا يبعد كثيرًا عن مكاننا."
ابتسم أحد اللصين، وبعد لحظات، طلب من الرجل ذي الفم الذي كاد يخلو من الأسنان أن يرافقهما إلى كوخ الهداوي.
كان أحد رجال الشرطة يراقبهما متظاهرًا بأنه صياد هاوٍ يجلس على صخرة. وما إن تحركا حتى اتصل بالضابطة عائشة الحمادي وأبلغها بذلك.
في الجانب الآخر من الضفة، كان أحد رجال الشرطة في سيارة مموهة يتبع خطوات الثلاثة. توقفوا بعد أن أشار الرجل إلى كوخ الهداوي. على الفور، تم إبلاغ الضابطة بالأمر.
أوَّل العميد محمد الزيات ذلك باحتمال أن يكون صاحب الكوخ شريكًا لهما، أو أنهما قد أخفيا الحُليَّ المسروقة عنده.
استمرت المراقبة، في حين اتصل العميد بدائرة الأمن الوطني في حي سيدي موسى، وسأل عن رجل معروف باسم الهداوي. بمساعدة المفتش المكلف بالاستعلامات، علم أن الهداوي رجل في عقده السادس، معروف في المنطقة، ويأوي ليلًا إلى كوخ بجوار ضريح سيدي موسى الدكالي، مثل كثير من الفقراء والمشردين الذين يقصدون المكان للاستفادة مما يجود به المحسنون من طعام.
في ذلك اليوم، لم يطرق اللصان باب الهداوي، الذي صار بدوره تحت مراقبة الشرطة.
بعد يومين، عاد الرجلان، تركا سيارتهما غير بعيد، ثم تقدما إلى باب الكوخ. وما إن فتح الهداوي الباب حتى دفعاه إلى الداخل واقتحما الكوخ. ظلَّا هناك زهاء نصف ساعة، ثم خرجا يجرّانه نحو سيارتهما.
ذهبا به إلى مكان خالٍ في شاطئ الأمم، وهناك انهالا عليه ضربًا، لكنه لم يبح لهما بشيء.
أعاداه إلى مكان قريب من كوخه، وكانت آثار الضرب بادية على وجهه.
رأت الضابطة عائشة أنه من الأفضل التريث، وكان العميد الزيات يرى ضرورة إبقاء الهداوي تحت المراقبة.
في صباح اليوم التالي، خرج الهداوي من كوخه، فتتبَّعه أحد المفتشين إلى أن وصل إلى باب "بوحاجة"، ثم واصل سيره إلى حي الحرارين، حيث توجد عدة محلات لبيع المجوهرات.
دخل أحد تلك المتاجر، فلاحظ المفتش الذي كان يتعقبه أنه يعرض على التاجر خاتمًا من الذهب. وبينما كان التاجر يتفحصه، اتصل المفتش بالضابطة عائشة وأبلغها بالأمر.
حضرت بسرعة، وكان التاجر يطالب الهداوي بوصل يثبت ملكيته للخاتم.
تدخلت الضابطة وسألته عن مصدره، فأدعى أنه عثر عليه في ضفة أبي رقراق أثناء تنقيبه عن الديدان.
قُبِض على الهداوي وسيق إلى مفوضية الشرطة في سيدي موسى.
باشرت الضابطة عائشة الحمادي استجوابه، فأنكر أي علاقة له بالرجلين اللذين اعتديا عليه.
تم استدعاء التاجر عبد الرحمن النحاس، صاحب المحل الذي تعرض للسطو مساء الخامس من أبريل عام 2001.
ما إن وصل، حتى عُرض عليه الخاتم، فأكد أنه من القطع المسروقة.
رغم ذلك، لم يتراجع الهداوي عن أقواله، وأصرَّ على أنه عثر على الخاتم.
قال التاجر إن محله مؤمَّن على السرقة، وإن خسائره تزيد عن 200 مليون سنتيم. وأضاف أن شركة التأمين وافقت على دفع التعويض، وعرضت مكافأة لمن يساعد في الوصول إلى اللصوص.
عندها، تقدم من الهداوي وقال:
"سأعطيك عشرة ملايين سنتيم إن تعاونت مع المحققين."
بعد لحظات من الصمت، قرر الهداوي البوح بما يعلم.
اعترف بأنه وجد الحقيبة ملقاة على ضفة النهر، فأخذها إلى كوخه وأخفاها بين الصخور.
بمساعدة الشرطة، نُصب كمينٌ للرجلين.
وبمجرد أن استلما الحقيبة، داهمهما العميد الزيات ورجاله، فتم تطويقهما وإلقاء القبض عليهما.
أحدهما كان يُدعى عمر التانغا، الملقب بـ"الجن"، والثاني مروان الشيتا.
وبعد استكمال التحقيقات، قُدِّما إلى العدالة، في حين حصل الهداوي على المكافأة التي وعده بها التاجر.
وفي ذلك اليوم، عاد إلى أهله في العرائش، بعد أن ودَّع حياة التشرد.
**النهاية.**

Comments
Post a Comment